بنغازي – (رياليست عربي). أثارت مصادقة مجلس النواب الليبي، في 20 أكتوبر 2026، على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع تركيا تحولاً في التحالفات السياسية بشرق ليبيا، بعدما تراجع البرلمان عن معارضته اتفاقاً وقعته أنقرة مع حكومة الوفاق الوطني في طرابلس عام 2019.
وأقر المجلس الاتفاقية بالإجماع، وألغى قرارين أصدرهما عام 2020 لرفض الاتفاقات الموقعة مع تركيا وقطع العلاقات السياسية معها، وفقاً لما أعلنته وكالة الأنباء الليبية. lana.gov.ly+1
صدام حفتر والمفاوضات الأميركية
يرى الباحث الليبي عماد الدين بادي، في مقال نشرته الجزيرة في 26 أكتوبر، أن التحول لا يقتصر على إعادة ترتيب العلاقات مع أنقرة، بل يرتبط بمساعي صدام حفتر، نجل قائد قوات شرق ليبيا خليفة حفتر، لتعزيز فرص وصوله إلى رئاسة البلاد.
وبحسب هذا التفسير، يسعى صدام للحصول على دعم تركيا، التي تتمتع بنفوذ عسكري وسياسي في غرب ليبيا، في وقت تعمل فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عبر مستشاره للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، على الدفع نحو تسوية لتقاسم السلطة بين طرابلس وبنغازي.
غير أنه لم يُعلن عن اتفاق نهائي بشأن توزيع المناصب أو اختيار رئيس جديد، كما لا توجد أدلة معلنة تثبت أن المصادقة على الاتفاقية البحرية جاءت مقابل تعهد تركي بدعم صدام حفتر. Al Jazeera
تغيير رئاسة البرلمان يمهد للتقارب
سبق التصويت على الاتفاقية تغيير مهم في قيادة مجلس النواب، إذ انتخب المجلس في 6 أكتوبر الصالحين عبد النبي العبيدي رئيساً له، خلفاً لعقيلة صالح الذي شغل المنصب لأكثر من 12 عاماً.
وكان العبيدي يرأس لجنة الصداقة البرلمانية الليبية التركية، بينما عُرف صالح بعلاقاته الوثيقة مع القاهرة ومعارضته الاتفاقية البحرية.
ويرى محللون أن تغيير قيادة البرلمان ساهم في إزالة عقبة سياسية أمام التقارب مع أنقرة، بالتزامن مع إعادة ترتيب موازين النفوذ داخل معسكر شرق ليبيا. Al Jazeera
اعتراضات مصرية وأوروبية
أثار القرار اعتراضات من اليونان وقبرص ومصر والاتحاد الأوروبي، بسبب الخلافات المتعلقة بترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة والجرف القاري في شرق البحر المتوسط.
وتعتبر أثينا ونيقوسيا أن الاتفاقية تتجاهل حقوق الجزر اليونانية في المناطق البحرية، بينما تؤكد أنقرة أن التفاهم مع ليبيا يستند إلى القانون الدولي ومبدأ الإنصاف.
وتكتسب المسألة أهمية اقتصادية واستراتيجية بسبب احتياطيات الغاز المحتملة وحقوق التنقيب ومسارات نقل الطاقة في البحر المتوسط.
الإمارات ومصر في معادلة الخلافة
يرى بادي أن الإمارات تدعم صعود صدام حفتر، بالنظر إلى علاقاته الوثيقة بأبوظبي، بينما يظل موقف مصر أكثر تعقيداً بسبب مصالحها الأمنية وحدودها المشتركة مع ليبيا.
ويشير إلى أن القاهرة تحتفظ بعلاقات قوية مع خالد حفتر، شقيق صدام ورئيس أركان القوات التابعة لشرق ليبيا، ما قد يمنحها خيارات أخرى في ترتيبات القيادة المستقبلية.
وفي المقابل، قد يساعد التقارب المصري التركي في معالجة بعض الخلافات بشأن الحدود البحرية، وإن كانت الاعتراضات القانونية والسياسية لا تزال قائمة.
مستقبل التسوية الليبية
يمثل الاتفاق البحري تحولاً في علاقة أنقرة بمعسكر خليفة حفتر، الذي خاض مواجهة عسكرية ضد حكومة طرابلس قبل أن تسهم المساندة التركية في وقف تقدمه نحو العاصمة عام 2020.
واليوم، يجد شرق ليبيا نفسه أمام معادلة مختلفة، إذ بات التعاون مع تركيا جزءاً من حسابات إعادة تشكيل السلطة الوطنية.
لكن نجاح أي تسوية سيظل مرتبطاً بمواقف الأطراف الليبية المتنافسة، والتفاهمات بين تركيا ومصر والإمارات والولايات المتحدة، إضافة إلى التوصل إلى إطار سياسي يحظى بقبول داخلي أوسع.
وتكشف المصادقة على الاتفاقية أن المصالح البحرية والاقتصادية باتت مرتبطة مباشرة بالمفاوضات حول مستقبل الحكم في ليبيا، من دون أن تعني بالضرورة حسم التنافس على السلطة أو ضمان انتقالها إلى صدام حفتر.







