باريس — (رياليست عربي). تواجه الأحزاب السياسية الوسطية في كبرى الدول الأوروبية تراجعاً في التأييد الشعبي، مع تزايد الإحباط من ضعف النمو الاقتصادي وارتفاع الأسعار والديون الحكومية وتراجع الفرص المتاحة للشباب والطبقة العاملة، في تحولات تعزز حضور أحزاب اليمين واليسار الراديكالي وتزيد صعوبة تشكيل حكومات مستقرة.
وتعكس الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها فرنسا خلال أكتوبر 2026 هذا التحول، بعدما بدأت بمطالب لتحسين تمويل المدارس قبل أن تتوسع لتشمل الاعتراض على غلاء المعيشة وتدهور الخدمات العامة والسياسات الاقتصادية للحكومة.
ويرى باحثون أن الأزمة تتجاوز أداء الحكومات الحالية، وترتبط بتراجع ثقة قطاعات من الناخبين في قدرة الأحزاب التقليدية على تحسين مستويات المعيشة وتوفير مستقبل اقتصادي أفضل.
69% من الفرنسيين غير راضين عن أداء الديمقراطية
أظهر استطلاع لمركز بيو للأبحاث، أُجري في ربيع 2026، أن 69% من الفرنسيين غير راضين عن طريقة عمل الديمقراطية في بلادهم، مقابل 68% في إسبانيا و62% في إيطاليا و47% في بولندا.
وبلغت نسبة عدم الرضا في الولايات المتحدة 69% أيضاً، ما يشير إلى أن أزمة الثقة بالمؤسسات السياسية لا تقتصر على أوروبا.
وقال الاقتصادي دارون عجم أوغلو، الحائز جائزة نوبل وأستاذ الاقتصاد في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، إن الأنظمة الديمقراطية فقدت جانباً من ثقة الطبقة العاملة بعدما عجزت عن ضمان توزيع أوسع لمكاسب النمو الاقتصادي.
وحدد عجم أوغلو مشكلتين رئيسيتين: تراجع الرخاء المشترك نتيجة العولمة والأتمتة واتساع التفاوت الاقتصادي، وابتعاد القيادات الحزبية المتعلمة عن الاهتمامات اليومية للعمال وذوي الدخل المحدود.
واعتبر أن استعادة الثقة تتطلب إعطاء الأولوية لخلق الوظائف وتحسين الأجور وتوفير فرص مهنية للأشخاص الذين لا يحملون شهادات جامعية.
ألمانيا: البديل يتقدم والأحزاب التقليدية تتراجع
تشهد ألمانيا تحولاً مماثلاً، مع تراجع نفوذ الحزبين اللذين شكلا العمود الفقري للنظام السياسي منذ الحرب العالمية الثانية، وهما الاتحاد الديمقراطي المسيحي والحزب الاشتراكي الديمقراطي.
وأظهر استطلاع «دويتشلاند ترند» في أكتوبر حصول حزب البديل من أجل ألمانيا على تأييد 27% من المستطلعين، مقابل 20% للاتحاد المسيحي و13% للاشتراكيين الديمقراطيين، فيما حصل الخضر على 16% وحزب اليسار على 11%.
ويرى نوربرت روتغن، النائب البارز في الاتحاد الديمقراطي المسيحي، أن انتقال الحزب نحو الوسط خلال عهد المستشارة السابقة أنغيلا ميركل أدى إلى ابتعاد جزء من قاعدته المحافظة، خصوصاً بشأن الهجرة والتحديات الاقتصادية.
كما تواجه الأحزاب الاشتراكية التقليدية منافسة من قوى يسارية أخرى تستقطب ناخبين غير راضين عن السياسات الاقتصادية والاجتماعية.
انتخابات 2027 تختبر التوازنات الأوروبية
تستعد فرنسا وإسبانيا وإيطاليا وبولندا لاستحقاقات انتخابية مهمة خلال العام المقبل، وسط منافسة متزايدة بين الأحزاب التقليدية والقوى السياسية المناهضة للمؤسسات القائمة.
وفي فرنسا، يبرز حزب التجمع الوطني بقيادة مارين لوبان وحزب فرنسا الأبية بقيادة جان لوك ميلانشون باعتبارهما من أبرز القوى المعارضة لسياسات الرئيس إيمانويل ماكرون.
ويحذر الباحث السياسي إيفان كراستيف من أن تراجع الأحزاب الوسطية قد يؤدي إلى مزيد من التشرذم البرلماني، ويجعل تشكيل الائتلافات الحكومية أكثر تعقيداً.
كما يمكن أن تؤثر التحولات الحزبية في مواقف الحكومات الأوروبية من الهجرة والسياسة الاقتصادية والتكامل داخل الاتحاد الأوروبي ودعم أوكرانيا.
وتكشف التطورات عن تحدٍ طويل الأمد للأحزاب التقليدية يتمثل في استعادة ثقة الناخبين الذين يشعرون بأن النمو الاقتصادي لم ينعكس على أوضاعهم المعيشية.
ولا تعني زيادة التأييد للأحزاب الراديكالية بالضرورة وصولها إلى الحكم، لكنها تزيد الضغوط على الأحزاب الوسطية لإعادة النظر في برامجها الاقتصادية والاجتماعية، في وقت تواجه فيه الحكومات قيوداً مالية تحد من قدرتها على الاستجابة للمطالب الشعبية.







