باكو — (رياليست عربي). تصاعد الخلاف السياسي بين تركيا وأذربيجان بعد نشر وسائل إعلام أذربيجانية مقربة من السلطات اتهامات لوزير الخارجية التركي هاكان فيدان بالتدخل في الشؤون الداخلية للبلاد، وصلت إلى حد الزعم بمحاولة التحريض على اضطرابات ضد إدارة الرئيس إلهام علييف.
وجاءت الاتهامات عقب توتر دبلوماسي أثاره قرار أذربيجان، الشهر الماضي، حظر ارتداء الحجاب في المدارس الابتدائية والثانوية، وما تبعه من انتقادات صدرت عن مسؤولين وسياسيين أتراك.
ووفقاً لموقع «ميدل إيست آي»، فإن عدداً من المسؤولين والمصادر المطلعة أكدوا أن الحملة الإعلامية ضد الحكومة التركية وفيدان جاءت بتوجيهات من مستويات عليا في أذربيجان.
ولم يقدم التقرير أدلة مستقلة تثبت الاتهامات المتعلقة بتورط الوزير التركي في أنشطة تهدف إلى زعزعة استقرار أذربيجان، فيما نفت السفارة التركية المزاعم المنشورة بحقه.
اتهامات لفيدان عقب زيارته باكو
زار فيدان العاصمة الأذربيجانية الأسبوع الماضي للمشاركة في قمة إقليمية، وأفادت تقارير بأنه زار أيضاً مؤسسة تعليمية تركية خلال وجوده في المدينة.
وربط موقع «قفقاز إنفو»، المقرب من الرئاسة الأذربيجانية، بين الزيارة واتهامات أوسع تتعلق بأنشطة مؤسسات مرتبطة بتركيا داخل أذربيجان.
وزعم الموقع أن جهات مرتبطة بأنقرة حاولت سابقاً إثارة الفوضى وتنظيم تحركات ضد السلطات الأذربيجانية، مشيراً إلى وجود معلومات عن تعليمات محددة أصدرها فيدان خلال اجتماعه بممثلي المؤسسة التعليمية.
لكن الموقع حذف لاحقاً المقاطع التي تضمنت اتهامات مباشرة للوزير التركي، وأعاد نشر التقرير بصيغة معدلة بعد نفي شديد اللهجة من السفارة التركية.
وقال مصدر أذربيجاني مطلع على الخلاف لموقع «ميدل إيست آي» إن زيارة فيدان وتصرفاته ورسائله السياسية زادت التوتر، معتبراً أن باكو تنتظر تغييراً ملموساً في الموقف التركي.
حظر الحجاب يشعل الخلاف السياسي
بدأ التوتر بعدما انتقد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، خلال خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، الدول التي تضع عوائق أمام تعليم الفتيات المسلمات بسبب ملابسهن.
وفسرت أوساط أذربيجانية التصريحات على أنها انتقاد غير مباشر لقرار حظر الحجاب في المدارس.
لكن أنقرة أكدت أن أردوغان كان يشير إلى ممارسات في دول أوروبية، وليس إلى أذربيجان.
وتصاعد الخلاف عندما دعا مستشار الرئيس التركي أوكتاي سارال، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، السلطات الأذربيجانية إلى التراجع عن قرار الحظر.
كما انتقدت ليلى شاهين أوستا، نائبة رئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم، القرار الأذربيجاني. وكانت أوستا قد برزت سابقاً في تركيا بسبب معارضتها القيود المفروضة على الحجاب خلال تسعينيات القرن الماضي.
ورد حزب أذربيجان الجديدة، الذي يتزعمه علييف، ببيان حاد حذر فيه أنقرة من محاولة فرض الهيمنة على العالم الإسلامي.
وسعى مسؤولون أتراك، بينهم رئيس الوزراء السابق بن علي يلدريم، إلى احتواء الخلاف، مؤكدين أن تصريحات سارال تعبر عن موقفه الشخصي ولا تمثل موقف أردوغان.
وبحسب ثلاثة مسؤولين ومصدر مطلع تحدثوا إلى «ميدل إيست آي»، طلبت باكو من أنقرة إقالة سارال من منصبه الرسمي.
كما طالبت السلطات الأذربيجانية بملاحقة معلقين على مواقع التواصل الاجتماعي اتهمتهم بإهانة علييف، وسلمت الجانب التركي قائمة بحسابات أرادت حظرها.
وحجبت السلطات التركية بعض الحسابات المذكورة، دون الإعلان عن إجراءات إضافية.
قمة إقليمية تزيد التوتر
امتد الخلاف إلى المشاركة التركية في القمة السابعة لمؤتمر التفاعل وإجراءات بناء الثقة في آسيا.
وأثار غياب أردوغان عن القمة استياء باكو، التي اعتبرت عدم مشاركته تجاهلاً للرئيس الأذربيجاني.
ووفقاً للمصادر التي نقل عنها «ميدل إيست آي»، اختار أردوغان عدم الحضور لتجنب الاجتماع مع الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ.
وشارك فيدان في القمة، لكنه قاد، مع ممثلين عن دول أخرى، مقاطعة خطاب الرئيس الإسرائيلي، وهو ما أثار استياء الجانب الأذربيجاني أيضاً.
وأفادت مصادر مطلعة بأن مشاركة علييف في قمة منظمة الدول التركية المقررة في تركيا لاحقاً هذا الشهر لم تكن قد تأكدت، وسط تكهنات بإمكانية غيابه رداً على عدم حضور أردوغان القمة السابقة.
وزاد التوتر بعد تصريحات جديدة لأردوغان خلال فعالية لمؤسسة تعليمية، قال فيها إن تركيا لم تعد بلداً يضطر أبناؤه إلى الدراسة في الخارج بسبب ملابسهم أو آرائهم السياسية.
وفُسرت هذه التصريحات في أذربيجان على أنها انتقاد إضافي لسياساتها التعليمية.
وسائل إعلام أذربيجانية تنتقد حزب العدالة والتنمية
نشرت عدة وسائل إعلام أذربيجانية تقارير تنتقد سياسات حزب العدالة والتنمية التركي، متهمة إياه بمحاولة نشر توجهاته الدينية والسياسية خارج تركيا.
وزعم موقع «قفقاز إنفو» أن الحزب يستخدم منظمات غير حكومية ومؤسسات تعليمية مرتبطة به لتعزيز نفوذه في دول أخرى، كما وجه اتهامات لأجهزة الاستخبارات التركية باستخدام هذه المؤسسات للتدخل في الشؤون الداخلية للدول.
واتهم موقع «بوبليكا» حزب العدالة والتنمية بمحاولة تصدير أفكار الإسلام السياسي المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، وحذر دول آسيا الوسطى الناطقة باللغات التركية من أنشطة وكالة التعاون والتنسيق التركية «تيكا».
أما موقع «موسافات»، فاعتبر أن الحكومة التركية تستخدم الخلاف بشأن الحجاب لتحويل الأنظار عن انتقادات داخلية مرتبطة بفضيحة مالية تبلغ قيمتها 17 مليار دولار.
واتهم موقع «غلوبال إنفو» أنقرة باتباع سياسة «عثمانية جديدة» في المنطقة، والتعامل مع أذربيجان باعتبارها دولة تابعة بدلاً من شريك يتمتع بالمساواة والسيادة.
وفي مقال نشره موقع «نيوز دوت إيه زد»، دعا المحلل السياسي الإسرائيلي رومان غوريفيتش تركيا إلى التوقف عن محاولة تصدير نموذجها السياسي والديني إلى أذربيجان، مؤكداً أن باكو لن تتنازل عن سيادتها استجابة لضغوط ذات طابع ديني.
وتعكس هذه المقالات مواقف كتابها والمؤسسات التي نشرتها، ولا تشكل أدلة مستقلة على صحة الاتهامات الموجهة إلى الحكومة التركية.
التحالف العسكري والاقتصادي أمام اختبار سياسي
يأتي الخلاف رغم استمرار التعاون العسكري والاقتصادي الوثيق بين البلدين.
وكان مسؤولون عسكريون وممثلون عن الصناعات الدفاعية التركية قد أعلنوا في باكو، قبل نحو أسبوعين، توقيع عقود لتزويد الجيش الأذربيجاني بمعدات عسكرية تبلغ قيمتها نحو 500 مليون دولار.
ويرتبط البلدان أيضاً باستثمارات بمليارات الدولارات في قطاعات الطاقة والنقل والبناء والزراعة.
وتعزز التعاون الأمني بين أنقرة وباكو بعد توقيع إعلان شوشا عام 2021، الذي يتضمن التزامات متبادلة بالتعاون الدفاعي والأمني.
وقال مصدر أذربيجاني مطلع على الأزمة إن باكو تريد تأكيد استقلال قرارها السياسي ورفض التعامل معها باعتبارها جزءاً من مجال النفوذ التركي.
وأضاف أن الرسالة التي تسعى أذربيجان إلى إيصالها تقوم على مبدأ «أمة واحدة ودولتان»، بما يؤكد الروابط المشتركة مع الحفاظ على استقلال الدولتين.
في المقابل، قال مسؤول تركي لموقع «ميدل إيست آي» إن أنقرة ستواصل التعامل بهدوء مع الأزمة، ولن ترد على الاتهامات الإعلامية بطريقة تؤدي إلى مزيد من التصعيد.
وأكد أن التحالف الاستراتيجي بين البلدين يتمتع بالمتانة الكافية لتجاوز الخلاف الحالي، مشدداً على أن تركيا لا تريد منح الأطراف الساعية إلى الإضرار بالعلاقات الثنائية فرصة لتحقيق أهدافها.







