بكين — (رياليست عربي). أظهرت بيانات اقتصادية صينية تسارع النمو خلال الربع الثالث من عام 2026 مقارنة بالربع السابق، مدفوعاً بقوة الصادرات، في وقت لا يزال فيه ضعف الاستهلاك المحلي وأزمة القطاع العقاري يضغطان على ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
وجاء الأداء الاقتصادي أفضل من التوقعات، بعد تسجيل نمو بنسبة 4.3% على أساس سنوي خلال الربع الثاني، وهو أبطأ معدل توسع في أكثر من ثلاث سنوات.
وحددت القيادة الصينية هدفاً للنمو الاقتصادي خلال العام الجاري يتراوح بين 4.5% و5%، مقارنة بنمو بلغ 5% في عام 2025.
وكان صندوق النقد الدولي قد خفض توقعاته لنمو الاقتصاد الصيني في 2026 إلى 4.5%، عند الحد الأدنى من النطاق المستهدف رسمياً.
وقال ديف تشيا، الاقتصادي في مؤسسة «موديز أناليتكس»، إن الطلب المحلي ظل ضعيفاً، بينما سجلت التجارة الخارجية نمواً قوياً.
وتوقع استمرار الأداء الجيد للصادرات، محذراً في الوقت نفسه من المخاطر المرتبطة بتزايد القيود التجارية عالمياً.
الصادرات تعوض ضعف الاستهلاك
يرى اقتصاديون أن معدلات النمو الرسمية لا تعكس بصورة كاملة التفاوت المتزايد بين قطاعات الاقتصاد الصيني ومناطقه ومستويات دخل الأسر.
وقال ماكس زنغلين، كبير الاقتصاديين لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في مؤسسة «كونفرنس بورد»، إن المؤشر العام للنمو أصبح أقل قدرة على التعبير عن الأداء الفعلي للاقتصاد، بسبب اتساع الفجوات بين الصناعات والمناطق والأسر.
وأضاف أن معالجة الاختلالات الداخلية قد تمثل تحدياً أكبر لبكين من التعامل مع الضغوط الاقتصادية الخارجية.
ويواجه الاستهلاك المحلي ضغوطاً مستمرة نتيجة التراجع الممتد في سوق العقارات، الذي أثر في ثروات الأسر ودفع العديد منها إلى زيادة الادخار بدلاً من الإنفاق.
وأقر نائب رئيس المكتب الوطني للإحصاء الصيني، ماو شنغ يونغ، باستمرار التحديات الاقتصادية.
وقال خلال مؤتمر صحافي الاثنين 19 أكتوبر إن البيئة الدولية معقدة ومتقلبة، وإن مشكلة عدم كفاية الطلب المحلي لا تزال بارزة، بينما تحتاج أسس التعافي الاقتصادي المستقر إلى مزيد من التعزيز.
فائض تجاري يقترب من تريليون دولار
أصبحت الصادرات أحد أبرز محركات النمو الصيني خلال العام الجاري، مع توسع مبيعات المنتجات الصناعية والتكنولوجية في الأسواق الخارجية.
وسجلت الصين فائضاً تجارياً بلغ 938 مليار دولار خلال الفترة من يناير إلى سبتمبر 2026، بعد ارتفاع صادراتها بنسبة 36% في سبتمبر.
وتشير هذه الأرقام إلى احتمال تجاوز الفائض التجاري المستوى القياسي المسجل في عام 2025، والبالغ نحو 1.2 تريليون دولار، إذا استمرت الاتجاهات الحالية.
ودفعت الرسوم الجمركية الأمريكية المرتفعة الشركات الصينية إلى توسيع حضورها في أسواق جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا.
وشملت القطاعات التي ساهمت في نمو الصادرات أشباه الموصلات والسيارات الكهربائية والهجينة، إلى جانب منتجات الطاقة الشمسية والمعدات الصناعية.
واستثمرت الصين خلال السنوات الماضية في توسيع قدراتها الإنتاجية في قطاعات التكنولوجيا والطاقة النظيفة، ضمن استراتيجية تستهدف تقليل الاعتماد على الموردين الأجانب ومواجهة القيود الغربية على تصدير التكنولوجيا.
لكن التوسع الصناعي تزامن مع ضعف الطلب المحلي، ما دفع الشركات إلى زيادة صادراتها بأسعار تنافسية.
وقالت إيكاترينا بيغوس، كبيرة استراتيجيي الأسواق في «بي إن بي باريبا لإدارة الأصول»، إن نموذج النمو المعتمد على الصادرات والتكنولوجيا لم يحقق حتى الآن توسعاً مماثلاً في فرص العمل والدخول.
وأشارت إلى أن تطور الذكاء الاصطناعي قد يضيف ضغوطاً جديدة على سوق العمل نتيجة إحلال التكنولوجيا محل بعض الوظائف.
الاتحاد الأوروبي يطالب بإعادة التوازن التجاري
يثير ارتفاع الصادرات الصينية مخاوف متزايدة لدى الشركاء التجاريين لبكين، الذين يحذرون من تأثير تدفق المنتجات منخفضة التكلفة على الصناعات المحلية والوظائف.
وقال إسوار براساد، أستاذ الاقتصاد والسياسة التجارية في جامعة كورنيل، إن اعتماد ثاني أكبر اقتصاد في العالم على الطلب الخارجي لدعم نموه يمثل وضعاً يصعب استدامته.
واعتبر أن الفوائض التجارية الصينية الكبيرة والمستمرة قد تؤثر سلباً في النمو الاقتصادي لدى شركائها التجاريين.
ويعد الاتحاد الأوروبي من أبرز الأطراف المطالبة بمعالجة الاختلال التجاري مع الصين.
وتسجل دول الاتحاد السبع والعشرون عجزاً تجارياً مع بكين يتجاوز 1.1 مليار دولار يومياً، بينما ارتفعت الصادرات الصينية إلى السوق الأوروبية بنسبة 16% خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026.
وتدرس بروكسل إجراءات إضافية لحماية قطاعاتها الصناعية، بعد التوصل هذا الشهر إلى اتفاق مع الصين يهدف إلى خفض واردات السيارات الهجينة الصينية بنحو النصف خلال السنوات المقبلة.
وقال غاري نغ، كبير الاقتصاديين لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في بنك «ناتيكسيس» الفرنسي، إن بكين لديها مصلحة في تسوية النزاعات التجارية والحفاظ على وصول منتجاتها إلى الأسواق الخارجية.
وأوضح أن الاتفاقات القطاعية، مثل التفاهم بشأن السيارات الهجينة، قد تسمح باستمرار التجارة وتجنب زيادات واسعة في الرسوم الجمركية.
لكن لين سونغ، كبير الاقتصاديين للصين الكبرى في بنك «آي إن جي» الهولندي، حذر من أن معالجة الاختلالات التجارية ستظل صعبة على المدى القصير، حتى مع إبرام اتفاقات جديدة.
خلاف بشأن سعر اليوان ومستقبل النمو
يرى بعض صناع السياسات الاقتصادية أن انخفاض قيمة اليوان أمام الدولار واليورو ساهم في تعزيز القدرة التنافسية للصادرات الصينية وزيادة الفائض التجاري.
غير أن البنك المركزي الصيني يرفض هذه الاتهامات.
وقال محافظ بنك الشعب الصيني بان غونغ شنغ، الجمعة 16 أكتوبر، إن الدول التي تسجل فوائض تجارية وتلك التي تعاني عجزاً تجارياً ينبغي أن تعمل معاً لمعالجة الاختلالات.
وأكد أن الصين ملتزمة بتوسيع الطلب المحلي، وأنها لا تسعى إلى تحقيق فوائض تجارية ضخمة باعتبارها هدفاً اقتصادياً بحد ذاته.
وفي المقابل، توقعت بيغوس استمرار الضغوط الحمائية على التجارة الصينية، خصوصاً في القطاعات الصناعية ذات القيمة المضافة المرتفعة، مع سعي الحكومات إلى حماية الشركات المحلية والوظائف.
وتواجه بكين بذلك تحدياً مزدوجاً يتمثل في الحفاظ على زخم الصادرات، التي تدعم النمو حالياً، وتحفيز الاستهلاك والاستثمار الداخليين لتقليل الاعتماد على الأسواق الخارجية.







