القدس — (رياليست عربي). يشهد المشهد السياسي الإسرائيلي مرحلة جديدة من الاضطراب، إذ تشير استطلاعات الرأي، قبل أقل من شهرين على احتمال إجراء انتخابات مبكرة، إلى إعادة اصطفاف كبيرة داخل معسكر المعارضة.

فالتحالف الذي جمع رئيسي الوزراء السابقين نفتالي بينيت ويائير لابيد يفقد شعبيته بسرعة، بينما يبرز رئيس الأركان الإسرائيلي السابق غادي إيزنكوت بوصفه المرشح الأكثر صعوداً. وفي الوقت نفسه، يسعى وزير الدفاع السابق بيني غانتس إلى تشكيل تحالف وسطي جديد، في حين يستفيد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بحسب مراقبين، من أزمة المعارضة لتعزيز موقعه السياسي.

انهيار تحالف «معاً».. من الآمال الكبيرة إلى التراجع خلال شهرين

عندما أعلن نفتالي بينيت ويائير لابيد في مايو 2026 تشكيل قائمة مشتركة تحت اسم «معاً» (بياحاد)، اعتُبر ذلك تحولاً كبيراً في السياسة الإسرائيلية، إذ كان من المتوقع أن يشكل التحالف القوة الرئيسية القادرة على منافسة نتنياهو، جامعاً بين اليمين والوسط.

لكن التفاؤل لم يدم طويلاً.

ووفقاً لاستطلاعات أجرتها القناة الثالثة عشرة وهيئة البث الإسرائيلية «كان» وصحيفة «معاريف» يومي 24 و25 يونيو، يواصل التحالف تراجعه السريع:

  • القناة الثالثة عشرة: 15 مقعداً.
  • هيئة البث الإسرائيلية «كان»: 16 مقعداً.
  • صحيفة «معاريف»: 18 مقعداً.

وبذلك خسر التحالف عشرة مقاعد منذ الإعلان عنه، أي ما يقارب نصف قوته المتوقعة. كما أظهر استطلاع للقناة الرابعة عشرة انخفاض نسبة اعتبار بينيت الأنسب لرئاسة الحكومة إلى 10%.

صعود إيزنكوت.. حزب «ياشار» يقترب من «الليكود»

أكبر المستفيدين من تراجع تحالف بينيت–لابيد هو غادي إيزنكوت وحزبه «ياشار».

وقد نجح رئيس الأركان السابق، الذي فقد ابنه وابن شقيقه خلال الحرب في غزة، في تحويل مأساته الشخصية إلى رصيد سياسي يرى محللون أنه لا يمكن تصنيعه.

وأظهرت الاستطلاعات تقدماً لافتاً للحزب:

  • صحيفة «معاريف»: 21 مقعداً، متساوياً مع حزب «الليكود»، وهي المرة الأولى التي يعادل فيها حزب معارض الحزب الحاكم في الكنيست الحالي.
  • القناة الثالثة عشرة: 20 مقعداً.
  • هيئة البث الإسرائيلية «كان»: 22 مقعداً.

ومنذ إعلان تحالف بينيت ولابيد، كسب حزب «ياشار» تسعة مقاعد إضافية.

كما يتفوق إيزنكوت على نتنياهو وبينيت في استطلاعات ملاءمة رئاسة الحكومة:

  • إيزنكوت أمام نتنياهو: 43% مقابل 39%.
  • إيزنكوت أمام بينيت: 42% مقابل 21%.

وكتب أحد المعلقين في صحيفة «جيروزاليم بوست» أن «إيزنكوت لا يتعجل، ويزن كلماته كما يفعل رجل يعرف ثمنها، لأنه دفع ثمناً لا يستطيع الآخرون دفعه».

غانتس يبحث عن طوق نجاة سياسي

في ظل صعود إيزنكوت وتراجع تحالف بينيت–لابيد، يحاول وزير الدفاع السابق بيني غانتس الحفاظ على حضوره السياسي.

وتشير استطلاعات الرأي إلى أن حزبه «أزرق أبيض» لا يتجاوز نسبة الحسم، ما دفعه إلى التفاوض مع حزب «الاحتياط» بزعامة الوزير السابق يوعاز هندل، والسياسي الجديد ديدي سيمحي، الرئيس السابق لجهاز الإطفاء والإنقاذ.

ووفقاً لاستطلاع أجرته هيئة البث الإسرائيلية، قد تحصل القائمة المشتركة على سبعة مقاعد.

لكن صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» نقلت عن مصادر أن الإعلان عن التحالف ليس وشيكاً، إذ لا تزال هناك خلافات، أبرزها الموقف من الأحزاب اليهودية المتشددة دينياً.

كما يدرس حزب «الاحتياط» خيارات سياسية أخرى، سعياً للعب دور صانع الملوك في أي ائتلاف حكومي مستقبلي.

ويتهم منتقدون غانتس بمحاولة التقرب من نتنياهو لإنقاذ مستقبله السياسي، غير أنه يؤكد سعيه إلى تشكيل «حكومة صهيونية واسعة» تضم قوى من اليمين واليسار.

وقال غانتس في مقابلة مع القناة الثانية عشرة: «يجب أن يغادر بيبي الحياة السياسية… فهو يتحمل مسؤولية ما حدث هنا، لكن ذلك وحده لا يكفي».

ميزان القوى.. طريق مسدود

ورغم التحولات الكبيرة داخل المعارضة، لا يزال ميزان القوى العام في الكنيست يشير إلى حالة من الجمود.

وبحسب الاستطلاعات:

  • معسكر نتنياهو: 53 مقعداً.
  • أحزاب المعارضة الصهيونية: بين 57 و60 مقعداً.
  • الأحزاب العربية: 10 مقاعد.

ولا يمتلك أي من المعسكرين أغلبية تمكنه من تشكيل الحكومة منفرداً.

وقد تلعب الأحزاب العربية دوراً حاسماً، إلا أن قوى معارضة، ولا سيما بينيت، ترفض إشراكها في أي ائتلاف حكومي.

كما يعول بعض المراقبين على احتمال انشقاق عدد من ناخبي معسكر نتنياهو، ولا سيما من التيار الديني القومي المعترض على إعفاء اليهود المتشددين دينياً من الخدمة العسكرية.

إيزنكوت… التهديد الأكبر لنتنياهو

يرى محللون أن غادي إيزنكوت هو الشخصية الوحيدة القادرة على تغيير موازين القوى.

وكتبت صحيفة «جيروزاليم بوست» أن تشكيل أغلبية مستقرة لن يكون ممكناً إلا عبر استقطاب جزء من ناخبي معسكر نتنياهو نفسه.

ويتمتع إيزنكوت بخلفية قد تساعده على ذلك؛ فهو من مواليد مدينة إيلات، وينحدر من عائلة يهودية مغربية، ويصف نفسه بأنه يهودي تقليدي، كما أن له أقارب يقيمون في المستوطنات، وهو ما يجعله قادراً على استقطاب أصوات من اليمين.

ويشير مراقبون إلى أن القناة الرابعة عشرة، المعروفة بقربها من نتنياهو، عندما تصف إيزنكوت بأنه «يساري»، فإنها تؤكد في الواقع أنه أصبح يمثل تهديداً سياسياً حقيقياً لرئيس الوزراء.

وبذلك تدخل الساحة السياسية الإسرائيلية مرحلة جديدة من عدم اليقين، حيث يشكل انهيار تحالف بينيت–لابيد، والصعود السريع لإيزنكوت، ومحاولات غانتس إعادة التموضع، مزيجاً سياسياً شديد التعقيد.

وستحدد الأسابيع المقبلة ما إذا كان أحد قادة المعارضة سيتمكن من توحيد المعسكر المناهض لنتنياهو، أم أن رئيس الوزراء سيكرر، كما فعل مرات عديدة في السابق، استغلال انقسام خصومه للبقاء في السلطة.