بكين — (رياليست عربي). حذر محللون صينيون من أن استمرار الاضطرابات الاجتماعية في فرنسا قد تكون له تداعيات تتجاوز حدود البلاد، وتؤثر في المشهد السياسي الأوروبي، مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في أبريل 2027.
ويرى المحللون أن الاحتجاجات تمثل اختباراً للحكومة الفرنسية في التعامل مع أزمات اقتصادية واجتماعية متراكمة، تشمل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة والقيود المفروضة على الإنفاق الحكومي.
وقال تسوي هونغ جيان، مدير دراسات الاتحاد الأوروبي في جامعة بكين للدراسات الأجنبية، إن التوتر بين المواطنين والحكومة بلغ مستوى يجعل حتى الحوادث المحلية المحدودة قادرة على إثارة احتجاجات واسعة.
احتجاجات واسعة وأزمة مالية متفاقمة
بدأت موجة الاحتجاجات بمطالب طلابية لتحسين ظروف التعليم، قبل أن تتسع لتشمل الاعتراض على خفض الإنفاق العام وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
وشارك نحو 550 ألف شخص في مظاهرات 17 أكتوبر، وفق تقديرات وزارة الداخلية الفرنسية، بينما تجاوز عدد الموقوفين ألفي شخص خلال الاضطرابات اللاحقة.
وتواجه الحكومة ضغوطاً مالية كبيرة، مع اقتراب الدين العام من 120% من الناتج المحلي الإجمالي، وتوقع بلوغ عجز الموازنة 5.4% خلال عام 2026.
ودفعت المخاوف المالية عوائد السندات الحكومية الفرنسية لأجل عشر سنوات إلى الاقتراب من 5%، ما يزيد تكلفة الاقتراض ويحد من قدرة الحكومة على توسيع الإنفاق الاجتماعي.
وأصدر الرئيس إيمانويل ماكرون توجيهات لعقد مشاورات تضم الطلاب والمعلمين والنقابات وأصحاب الأعمال والبرلمانيين لإعداد مقترحات لمعالجة الأزمة.
محللون يربطون الاحتجاجات بتراجع تنافسية الاقتصاد الأوروبي
اعتبر سونغ لوتشنغ، الباحث المرتبط بمعهد الصين في جامعة فودان، أن أسباب الاحتجاجات تتجاوز ارتفاع الأسعار وضعف النمو الاقتصادي.
وقال إن تراجع القدرة التنافسية للاقتصادات الأوروبية، نتيجة ارتفاع التكاليف وضعف الابتكار والتحولات الصناعية، ساهم في زيادة الضغوط على الطبقة الوسطى.
وأضاف أن العولمة والأتمتة والتحولات المالية عمقت الاستقطاب الاجتماعي، بينما أدت سياسات التقشف إلى انتقال الضغوط الاقتصادية بين قطاعات المجتمع.
الانتخابات الفرنسية ومستقبل الاتحاد الأوروبي
تتزامن الأزمة مع استعداد الأحزاب الفرنسية للانتخابات الرئاسية، حيث ينتقد حزب التجمع الوطني بقيادة مارين لوبان أداء الحكومة في حفظ الأمن، بينما يدعم حزب فرنسا الأبية بقيادة جان لوك ميلانشون المطالب الاجتماعية للمحتجين.
ويرى تسوي أن استمرار الاضطرابات قد يؤثر في التوازنات السياسية الفرنسية، خصوصاً إذا أصبحت قضايا الهجرة والأمن والإنفاق العام محوراً رئيسياً للمنافسة الانتخابية.
كما أشار المحللون إلى احتجاجات تشهدها دول أوروبية أخرى، بينها إيطاليا وإسبانيا وبلجيكا والبرتغال، رغم اختلاف أسبابها المحلية.
وحذر سونغ من أن صعود القوى المعارضة لتعميق التكامل الأوروبي في فرنسا وألمانيا قد يزيد الخلافات داخل الاتحاد بشأن الهجرة والسياسات الاقتصادية وصلاحيات المؤسسات المشتركة.
وتكمن أهمية الأزمة الفرنسية بالنسبة إلى أوروبا في وزن فرنسا السياسي والاقتصادي داخل الاتحاد. فاستمرار عدم الاستقرار قد يعقد التوصل إلى توافقات أوروبية بشأن الإنفاق والأمن والسياسة التجارية، دون أن يعني بالضرورة انتقال الاحتجاجات الفرنسية إلى الدول المجاورة.
ويظل مسار الأزمة مرتبطاً بقدرة الحكومة الفرنسية على احتواء العنف والتوصل إلى إجراءات اقتصادية واجتماعية تستجيب للمطالب المطروحة قبل انتخابات 2027.







