بكين — (رياليست عربي). تكثف الصين جهودها لتحدي مفهوم “نظام الجزية” الذي شاع في الدراسات الغربية بوصفه إطاراً لتفسير علاقات الصين الإمبراطورية بجيرانها، معتبرة أن هذا المفهوم يعكس عدسة خارجية تختزل تاريخ الدبلوماسية الصينية وتستخدمه لتفسير صعود بكين المعاصر بصورة مضللة.

ويأتي هذا التحرك ضمن حملة أوسع لبناء لغة صينية مستقلة في العلوم الاجتماعية والعلاقات الدولية، بدلاً من الاعتماد على مفاهيم صيغت في الجامعات ومراكز الأبحاث الغربية. وتقول أوساط أكاديمية صينية إن فهم تجربة الصين يجب أن ينطلق من سياقها التاريخي والحضاري الخاص، لا من نماذج الهيمنة والإمبراطورية المستمدة من التجربة الأوروبية أو الأميركية.

وأعاد المقال الذي نشره المستثمر الأميركي راي داليو في يونيو بعنوان “نظام الجزية: النظام العالمي الجديد” فتح النقاش. فقد قال داليو إن آسيا وربما مناطق أبعد تشهد بداية تحول نحو ترتيب شبيه بنظام الجزية، في ظل تنامي القوة الاقتصادية والمالية الصينية وتراجع ثقة بعض القادة في قدرة الولايات المتحدة على الدفاع عن نظامها العالمي.

وتنظر بكين إلى مثل هذه القراءة بحذر. فبالنسبة إلى الخطاب الصيني الرسمي والأكاديمي، ربط استقبال الرئيس شي جين بينغ لقادة أجانب أو تزايد الزيارات إلى بكين بفكرة “الخضوع” أو “التبعية” يعيد إنتاج تصور هرمي غربي عن القوة، ويتجاهل أن الصين تقدم نفسها بوصفها داعماً للتعددية، واحترام السيادة، وتنوع الحضارات.

ولا يعني ذلك أن المفهوم بلا جذور تاريخية. فقد ارتبطت علاقات الصين الإمبراطورية مع بعض الجوار الآسيوي بطقوس اعتراف وتبادل هدايا وتجارات منظمة. لكن الجدل يدور حول ما إذا كان من الدقة تحويل هذه الممارسات المتغيرة عبر القرون إلى نموذج ثابت، ثم استخدامه لتفسير سياسة الصين الحديثة ومبادرة الحزام والطريق ودبلوماسيتها تجاه الجنوب العالمي.

وتكمن أهمية الخلاف في أنه يتجاوز التاريخ إلى معركة سردية حول النظام الدولي المقبل. فالغرب يستخدم “نظام الجزية” للتحذير من مركزية صينية جديدة، بينما تريد بكين صياغة مفردات بديلة تصف صعودها كعودة حضارية لا كمشروع هيمنة. ومع تصاعد المنافسة مع الولايات المتحدة، تصبح السيطرة على المفاهيم نفسها جزءاً من الصراع على النفوذ، لا مجرد نقاش أكاديمي حول الماضي.