واشنطن — (رياليست عربي). أعاد تقرير لصحيفة “ساوث تشاينا مورنينغ بوست” قراءة تاريخ العلاقات الأميركية الصينية من رحلة السفينة التجارية الأميركية “إمبراطورة الصين” عام 1784 إلى التنافس الراهن بين واشنطن وبكين، معتبراً أن الولايات المتحدة لم تنظر إلى الصين عبر صورة واحدة ثابتة، بل أعادت تعريفها مراراً: سوقاً واعدة، وحضارة كبرى، ومشروعاً تبشيرياً وسياسياً، ثم خصماً استراتيجياً.
غادرت السفينة ميناء نيويورك في فبراير 1784، بعد أشهر قليلة من اعتراف بريطانيا باستقلال الولايات المتحدة، ووصلت بعد ستة أشهر إلى كانتون، الميناء الوحيد الذي سمحت أسرة تشينغ عبره بالتجارة البحرية الغربية. كانت الجمهورية الأميركية الجديدة بلا بحرية قوية ولا نفوذ عالمي، لكنها كانت تبحث عن موقع في التجارة الآسيوية، خصوصاً تجارة الشاي والحرير والخزف.
ويرى مؤرخون أن “حلم السوق الصينية” كان جزءاً مبكراً من الخيال الاقتصادي الأميركي. فالشاي الذي أُلقي في ميناء بوسطن عام 1773، في واحدة من شرارات الثورة الأميركية، كان شاياً صينياً. ومنذ ذلك الوقت، أصبحت الصين في المخيلة الأميركية مصدراً للثروة والفرص التجارية، ثم لاحقاً هدفاً لسياسات مثل “الباب المفتوح” في القرن التاسع عشر، والانخراط الاقتصادي بعد انضمام بكين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001.
لكن الرهان الأميركي على أن الانفتاح التجاري سيقود الصين إلى نموذج اقتصادي وسياسي أقرب إلى الغرب لم يتحقق. فقد طورت بكين نموذجاً تقوده الدولة، يجمع بين السوق والتخطيط والسيطرة السياسية، وهو ما دفع واشنطن إلى إعادة تصنيف الصين من فرصة اقتصادية إلى تحدٍّ بنيوي. وبدأ التحول عملياً مع الحرب التجارية في عهد ترامب الأول عام 2018، ثم اتسع في ولايته الثانية مع الرسوم والقيود التكنولوجية.
ويشير التقرير إلى أن العلاقة قامت منذ البداية على سوء فهم متبادل. فقد عرف الأميركيون الأوائل القليل عن النظام الإداري والاجتماعي الصيني، بينما نظر مسؤولو تشينغ إلى الوافدين الأجانب من زاوية التجارة والتراتبية الإمبراطورية. ومع مرور الزمن، تبدلت الموازين: الصين التي كانت أقدم وأغنى وأكثر رسوخاً في نهاية القرن الثامن عشر تراجعت خلال القرن التاسع عشر، بينما صعدت الولايات المتحدة مع الثورة الصناعية والحرب الأهلية والتوسع في المحيط الهادئ.
وتكمن أهمية هذه القراءة في أنها ترفض فكرة أن العلاقة انتقلت ببساطة من صداقة إلى عداوة. فالمسار كان أكثر تعقيداً: تفاؤل مفرط، ثم خوف مفرط، ثم محاولات متكررة من كل طرف لفهم الآخر من خلال صورته عن نفسه. واليوم، بينما تتنافس القوتان على الذكاء الاصطناعي، وسلاسل الإمداد، والتجارة، وتايوان، والنظام الدولي، يعود التاريخ ليذكّر بأن العلاقة لم تكن ثابتة يوماً، لكنها بقيت دائماً أكبر من أن يتجاهلها أي طرف.







