الرباط — (رياليست عربي). يتزايد الاهتمام في أفريقيا بقضايا الذكاء الاصطناعي والسيادة الرقمية مع تسارع الحكومات في وضع استراتيجيات وطنية لتطوير التكنولوجيا وجذب الاستثمارات الأجنبية في مراكز البيانات والحوسبة السحابية والبنية التحتية الرقمية.

وشكل اجتماع وزراء الاتحاد الأفريقي في مدينة طنجة المغربية خلال أبريل الماضي محطة بارزة في هذا النقاش، حيث ركزت المباحثات على مستقبل الذكاء الاصطناعي في القارة والتحديات المرتبطة بتطويره. غير أن النقاش تجاوز مسألة تبني التكنولوجيا إلى سؤال أوسع يتعلق بمن يملك ويدير البنية التحتية الرقمية التي ستعتمد عليها الاقتصادات الأفريقية مستقبلاً.

وخلال السنوات الأخيرة، أطلقت دول عدة، من بينها نيجيريا وكينيا ومصر وغانا، استراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي تؤكد أهمية بناء القدرات المحلية وتقليل الاعتماد على مزودي التكنولوجيا الأجانب. كما تبنت 49 دولة أفريقية إلى جانب الاتحاد الأفريقي “إعلان أفريقيا للذكاء الاصطناعي”، الذي يدعو إلى زيادة الاستثمار في البنية التحتية الرقمية وتنمية الكفاءات المحلية.

ويأتي ذلك في وقت تتنافس فيه شركات التكنولوجيا العالمية والحكومات الكبرى على توسيع نفوذها في قطاع الذكاء الاصطناعي، عبر الاستثمار في مراكز البيانات والحوسبة السحابية والوصول إلى أسواق جديدة. ويرى محللون أن هذا التنافس قد يمنح الدول الأفريقية مساحة أكبر للتفاوض وتحقيق شروط أكثر ملاءمة لمصالحها الوطنية.

ورغم هذا الاهتمام المتزايد، لا تزال القارة تواجه تحديات هيكلية كبيرة. وتشير تقديرات القطاع إلى أن أفريقيا تستحوذ على أقل من 1% من إجمالي طاقة مراكز البيانات العالمية، رغم أنها تضم نحو 18% من سكان العالم. كما أن ضعف إمدادات الكهرباء في العديد من الدول يشكل عقبة رئيسية أمام التوسع الرقمي.

وأصبحت مشاريع مراكز البيانات الضخمة محوراً لهذا الجدل. ففي كينيا، أثار مشروع مقترح بقيمة مليار دولار لتطوير مركز بيانات بمشاركة شركات دولية نقاشاً واسعاً حول استهلاك الطاقة والتكاليف طويلة الأجل وتأثير الاعتماد على شركات أجنبية في إدارة البنية التحتية الرقمية.

ويؤكد خبراء أن القضية لا تقتصر على الشركات الغربية، بل تشمل أيضاً الاستثمارات القادمة من الصين ودول أخرى. وترى بعض الحكومات أن تنويع الشركاء قد يساهم في تقليل المخاطر، بينما يشدد باحثون على ضرورة تقييم العوائد الاقتصادية والتنموية الحقيقية لأي مشروع، بما في ذلك استهلاك المياه والطاقة وتأثيره على المجتمعات المحلية.

كما تتزايد المخاوف بشأن إدارة البيانات والسيطرة عليها، خاصة مع انتشار الخدمات السحابية وأنظمة المدن الذكية وتقنيات المراقبة الرقمية. وتعتبر هذه الملفات جزءاً من نقاش أوسع حول السيادة الرقمية وحماية البيانات الوطنية في القارة.

وفي الوقت نفسه، تعمل منظمات دولية ومؤسسات تنموية على دعم مبادرات تهدف إلى تعزيز القدرات التقنية المحلية وتشجيع الابتكار وريادة الأعمال الرقمية. إلا أن حجم هذه الجهود لا يزال محدوداً مقارنة بالاستثمارات العالمية الضخمة في قطاع الذكاء الاصطناعي.

ويرى مراقبون أن التحدي الرئيسي أمام الحكومات الأفريقية لا يتمثل في استخدام الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل في تحديد الشروط التي سيتم من خلالها تطوير هذه التكنولوجيا وإدارتها. فالقرارات التي تُتخذ اليوم بشأن البنية التحتية والبيانات والتنظيمات القانونية قد تحدد مستقبلاً من يملك النفوذ على التقنيات التي ستؤثر بشكل متزايد في الاقتصاد والخدمات العامة والحياة اليومية لمئات الملايين من الأفارقة.