فيلنيوس — (رياليست عربي). كشف علماء آثار في فيلنيوس الأرضية الكاملة لكنيس فيلنا الكبير، أحد أهم المراكز الدينية والثقافية لليهود في أوروبا الشرقية، بعد عقود من تدميره على يد النازيين ثم طمسه في الحقبة السوفيتية.
وأظهرت الحفريات الأرضية الملونة المصقولة ومنصة الصلاة، أو “البيماه”، للمرة الأولى منذ عام 1940. وكان الكنيس، الذي بني في القرن السابع عشر، مركزاً رئيسياً للحياة اليهودية في فيلنيوس، المدينة التي عُرفت تاريخياً باسم “أورشليم الشمال”.
وقبل الحرب العالمية الثانية، كان اليهود يشكلون نحو 40% من سكان فيلنيوس، وكانت المدينة تضم أكثر من مئة كنيس وبيت صلاة. لكن أكثر من 90% من يهود ليتوانيا قُتلوا خلال الهولوكوست، ثم أعادت السلطة السوفيتية تشكيل المدينة بعد عام 1944، وأزيلت بقايا الكنيس لاحقاً لبناء مدرسة فوق الموقع.
ويفسر علماء الآثار بقاء أجزاء رئيسية من الكنيس بأن أرضيته شُيدت أصلاً تحت مستوى الشارع، بسبب القيود التي منعت الجالية اليهودية في القرن السابع عشر من بناء كنيس أعلى من الكنائس المحيطة. وقد سمح ذلك ببقاء طبقات من القاعة الرئيسية رغم التدمير اللاحق.
لكن الكشف الأثري فتح خلافاً داخل الجالية اليهودية الصغيرة المتبقية في ليتوانيا، التي يقل عددها عن ثلاثة آلاف شخص. فالهيئة التمثيلية الرئيسية للجالية تدعم بناء مركز يهودي جديد فوق الموقع، يتيح للزوار رؤية الأرضية من خلال طبقة زجاجية أو معرض سفلي، ويضم أنشطة ثقافية واجتماعية وتعليمية.
في المقابل، يعارض بعض اليهود الأرثوذكس وأنصارهم المشروع، معتبرين أن مكان الكنيس يجب أن يبقى موقعاً دينياً حياً أو أثرياً خالصاً، لا مساحة ثقافية علمانية. كما يدعو آخرون إلى مركز أوسع يخاطب المجتمع الليتواني كله، ويربط تاريخ اليهود بتاريخ البلاد وملفات التسامح وحقوق الإنسان.
وتكمن أهمية الاكتشاف في أنه لا يعيد فقط جزءاً مادياً من تاريخ مفقود، بل يطرح سؤالاً سياسياً وأخلاقياً حول كيفية حفظ الذاكرة بعد الإبادة والطمس السوفيتي. فالموقع الذي كان يوماً قلباً لحياة يهودية متعددة الاتجاهات، بين المتدينين والعلمانيين والصهاينة ومناهضي الصهيونية، يعود اليوم بوصفه اختباراً لهوية يهود ليتوانيا ولقدرة فيلنيوس على استعادة نصف ذاكرتها الغائبة.






