باريس — (رياليست عربي). أكد رائد الذكاء الاصطناعي يان لوكون أن النماذج اللغوية الكبيرة المستخدمة حالياً، رغم قدرتها على كتابة النصوص والبرمجة وحل المسائل الرياضية، لن تتمكن من الوصول إلى مستوى ذكاء يماثل الإنسان أو حتى الحيوانات، لأنها لا تفهم العالم المادي ولا تتعامل معه بصورة مباشرة.
وقال لوكون، الذي شغل منصب كبير علماء الذكاء الاصطناعي في شركة ميتا لمدة عشرة أعوام قبل أن يؤسس عام 2025 مختبرات الذكاء الآلي المتقدم في باريس، إن هذه النماذج تعتمد على تحليل الأنماط الإحصائية في البيانات وإعادة إنتاجها، لكنها لا تمتلك فهماً حقيقياً للأسباب والنتائج أو لطبيعة البيئة المحيطة.
وأوضح أن شركته تعمل على تطوير بنية جديدة للذكاء الاصطناعي تعرف باسم «البنية التنبؤية للتضمين المشترك»، وهي منظومة تهدف إلى بناء تمثيلات مجردة للعالم الحقيقي تسمح للنظام بفهم العلاقات بين الأشياء وتقييم نتائج الأفعال قبل تنفيذها، بدلاً من الاكتفاء بتوليد إجابات تبدو صحيحة من الناحية الإحصائية.
وضرب مثالاً بقلم موضوع على رأسه، موضحاً أن أي طفل صغير يدرك أن القلم سيسقط بمجرد تركه، لكنه لا يستطيع تحديد اتجاه سقوطه مسبقاً لعدم توفر معلومات كافية. أما النماذج اللغوية الحالية فقد تحاول إنتاج توقع محدد اعتماداً على بيانات التدريب، رغم أن هذا التوقع قد يكون خاطئاً لأنه لا يستند إلى فهم فيزيائي للواقع.
ويرى لوكون أن هذا القصور يمثل أحد أكبر التحديات أمام تطوير الروبوتات القادرة على العمل في البيئات اليومية، مشيراً إلى أن تدريب الروبوتات على تنفيذ مهام منزلية مثل ترتيب الأطباق أو كي الملابس أو التعامل مع الأشياء المختلفة ما زال معقداً ومكلفاً، لأن هذه المهام تتطلب فهماً مستمراً للبيئة واتخاذ قرارات تتغير وفق الظروف.
وأضاف أن الاعتقاد بإمكانية الوصول إلى ذكاء اصطناعي خارق من خلال زيادة حجم النماذج اللغوية الحالية ليس واقعياً، مؤكداً أن هذه النماذج «ليست الطريق نحو الذكاء العام».
ويتفق مع هذا التوجه عدد من الباحثين في المجال، من بينهم أستاذ الذكاء الاصطناعي التطبيقي بجامعة أكسفورد إنغمار بوسنر، الذي يقود فريقاً يعمل منذ أربع سنوات على تطوير ما يعرف بـ«نماذج العالم». وتهدف هذه النماذج إلى تمكين الذكاء الاصطناعي من فهم العلاقات السببية والإجابة عن أسئلة من قبيل: لماذا حدث أمر معين؟ وماذا سيحدث إذا تغير القرار أو تغيرت الظروف؟
وشهد هذا المجال اهتماماً متزايداً خلال السنوات الأخيرة، إذ تعمل شركات ومراكز بحثية عدة على تطوير أنظمة تعتمد على هذا المفهوم، في محاولة لتجاوز القيود التي تواجهها النماذج اللغوية التقليدية في التعامل مع العالم الحقيقي.
وكانت مختبرات الذكاء الآلي المتقدم قد أعلنت في وقت سابق من العام الجاري جمع أكثر من مليار دولار في جولة تمويل تأسيسية، بمشاركة شركة إنفيديا وصندوق استثماري يدير ثروة مؤسس شركة أمازون جيف بيزوس، في واحدة من أكبر جولات التمويل الأولي لشركة ناشئة في أوروبا.
ويتوقع لوكون أن تنتهي الشركة من تطوير النموذج الجديد خلال العام الجاري، على أن يبدأ استخدامه في التطبيقات الصناعية خلال العام المقبل، قبل توسيع نطاقه إلى مجالات أخرى.
وختم بالقول إن تطور هذه الأنظمة لن يلغي دور الإنسان، بل سيجعل الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة قادرة على تنفيذ المهام وتحليل الخيارات، بينما سيظل البشر مسؤولين عن تحديد الأهداف واتخاذ القرارات والإبداع.
