طرابلس — (رياليست عربي). أعادت موجة انقطاعات الكهرباء في ليبيا، التي تستمر يومياً بين ست وعشر ساعات في مناطق واسعة، الغضب الشعبي إلى الشارع ووضعت حكومة عبد الحميد الدبيبة أمام اختبار جديد، في بلد ينتج أكثر من 1.3 مليون برميل نفط يومياً ولا يتجاوز عدد سكانه 7.5 ملايين نسمة.

وتحولت الأزمة إلى مشهد يومي في المدن الليبية. ففي طرابلس، عرض مطعم بحري معروف وجبة كبيرة مقابل “بعض الوقود للمولد”، في منشور ساخر عكس حجم الضغط على الأعمال الصغيرة. وقال سكان إن الانقطاعات عطلت المطاعم والمحال ومحطات تعبئة المياه، وأدت إلى تلف مواد غذائية في المنازل بسبب توقف الثلاجات والمجمدات.

وأثارت الأزمة احتجاجات في طرابلس والزاوية ومصراتة ومدن أخرى، حيث طالب متظاهرون بإمدادات كهرباء أكثر استقراراً وباستقالة حكومة الدبيبة. وفي أواخر يوليو، اقتحم محتجون مجمع مليتة للنفط والغاز غرب طرابلس وأغلقوا خطوط غاز تستخدم في تشغيل محطات كهرباء، قبل أن تعلن الحكومة تأمين الموقع وعودة الإمدادات تدريجياً.

وتعتمد ليبيا على الغاز الطبيعي في توليد نحو 70% من الكهرباء، ما يجعل الشبكة معرضة مباشرة لأي تراجع في الإنتاج أو اضطراب في الحقول وخطوط الأنابيب. وتعود جذور الأزمة إلى سنوات من الانقسام السياسي بعد 2011، وتنافس مؤسسات الحكم في الشرق والغرب، وضعف الاستثمار في الشبكات ومحطات التوليد وإنتاج الغاز، إضافة إلى موجات حر وصلت فيها الحرارة إلى نحو 50 درجة مئوية.

وحاولت طرابلس تخفيف الضغط عبر مصر، التي استأنفت صادرات الكهرباء إلى شرق ليبيا بعد تسوية جزء من المستحقات المتأخرة، مع رفع القدرة عبر الربط الكهربائي إلى عشرات الميغاواط. لكن هذا الدعم يبقى محدوداً مقارنة بحجم العجز الليبي، كما أن اعتماد مصر نفسها على الغاز المستورد يجعل الربط معها حلاً مؤقتاً لا يعالج أصل المشكلة.

وتكمن أهمية الأزمة في أنها تكشف تناقضاً بنيوياً في ليبيا: وفرة نفطية وغازية على الورق، مقابل مؤسسات غير قادرة على الصيانة والتخطيط وتحويل الموارد إلى خدمات عامة. وإذا لم تستثمر البلاد في إنتاج الغاز والشبكات والطاقة الشمسية وإصلاح قطاع الكهرباء، فقد تتحول الانقطاعات من أزمة صيفية متكررة إلى عامل دائم لعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي.