مدريد — (رياليست عربي). أعادت تقارير تاريخية أوروبية تسليط الضوء على واحدة من أشهر الوقائع التي تداخل فيها العلم بالملاحة والاستعمار، حين استخدم كريستوفر كولومبوس معرفته الفلكية للتنبؤ بخسوف قمري في جامايكا عام 1504، بعدما تقطعت السبل به وبطاقمه خلال رحلته الرابعة إلى العالم الجديد.

وكانت سفن كولومبوس قد جنحت قبالة سواحل جامايكا، التي كان سكانها الأصليون يعرفونها باسم “خايماكا” أو “يامايا”، أي “أرض الخشب والماء”. ومع تعذر الإبحار، حاول دييغو مينديز، كاتب الرحلة، الوصول بزورق إلى لا إسبانيولا لطلب النجدة من الحاكم نيكولاس دي أوفاندو، لكن المساعدة تأخرت أشهراً.

في البداية، أقام الإسبان علاقة تبادل مع سكان الجزيرة من شعب التاينو، إذ حصلوا على الغذاء مقابل أدوات أوروبية وحلي بسيطة. غير أن التوترات تصاعدت مع طول بقاء البحارة وتمرد بعضهم، فتوقف السكان المحليون عن تزويدهم بالطعام، ما دفع الطاقم إلى حافة المجاعة.

عندها لجأ كولومبوس إلى الجداول الفلكية التي كان يحملها، والتي تضمنت توقعات دقيقة لحركة الأجرام السماوية. ووجد أن خسوفاً قمرياً كلياً سيُرى من جامايكا في مساء 29 فبراير 1504، وأن القمر سيتحول إلى لون أحمر داكن بفعل مرور ضوء الشمس عبر الغلاف الجوي للأرض، وهي الظاهرة المعروفة اليوم شعبياً باسم “القمر الدموي”.

وبحسب الرواية التي نقلها ابنه فرناندو، استدعى كولومبوس قادة التاينو قبل الخسوف وأبلغهم أن إلهه غاضب بسبب قطع الطعام عن الإسبان، وأن القمر سيختفي ويتحول إلى لون الدم. وعندما وقع الخسوف كما توقع، طلب السكان منه التوسط لإيقاف الظاهرة، فانتظر حتى بداية انحسارها ثم أعلن أن العفو مشروط باستئناف الإمدادات.

وتكمن أهمية الحادثة في أنها تكشف كيف تحولت المعرفة الفلكية، في لحظة عزلة وجوع، إلى أداة بقاء ونفوذ. فالخسوف نفسه تؤكده الحسابات الفلكية الحديثة، لكن استخدامه ضد السكان الأصليين يضع الواقعة أيضاً داخل سياق أوسع من عدم التكافؤ بين الأوروبيين ومجتمعات الكاريبي في بدايات التوسع الاستعماري.