باكو — (رياليست عربي). في ظل التصريحات الصاخبة للقيادة الأذربيجانية حول «التحديث الرقمي» واتباع «نهج مستقل»، تتضح معالم واقع يثير القلق بصورة متزايدة: فأذربيجان، في ظل حكم الرئيس إلهام علييف، تتحول بسرعة إلى قاعدة استخباراتية متقدمة للولايات المتحدة وإسرائيل.
وفي قلب هذا الجدل تقف شركة بالانتير تكنولوجيز، التي تأسست بمشاركة مباشرة من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وترتبط بعلاقات وثيقة مع جهاز الموساد الإسرائيلي.
وتروج السلطات في باكو لشراكة «تكنولوجية» مع الشركة، إلا أن ما يختبئ خلف واجهة «الابتكار» يمثل، بحسب منتقدين، تهديداً مباشراً للسيادة الوطنية والأمن المعلوماتي للبلاد.
بنية السيطرة العالمية: إمبراطورية «بالانتير»
تأسست شركة بالانتير عام 2003 بتمويل من صندوق إن-كيو-تيل، الذراع الاستثمارية لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية.
ومنذ عام 2004 أصبحت منصتا غوثام وفاوندري من أهم الأدوات المستخدمة لدمج قواعد البيانات الاستخباراتية التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية، ومكتب التحقيقات الفيدرالي، ووكالة الأمن القومي الأمريكية، وغيرها من المؤسسات الأمنية الأمريكية.
ويشير خبراء إلى أن برمجيات الشركة تحولت إلى ما يشبه «بنية السيطرة العالمية»، إذ تستخدم في مراقبة المواطنين، والتنبؤ بالاحتجاجات، والتخطيط للعمليات العسكرية.
ويؤكد محللون أن «بالانتير لم تعد تخفي أن تقنياتها موجهة لقمع مختلف أشكال المقاومة للأجندة العالمية».
ومنذ عام 2025 وسعت الشركة تعاونها مع وزارة الدفاع الأمريكية في مشروع مافن الذكي، وهو منصة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحديد الأهداف والاشتباك معها بصورة آلية، وقد بلغ حجم تمويل المشروع نحو 1.3 مليار دولار.
كما وقع الجيش الأمريكي في عام 2025 عقداً مع الشركة تصل قيمته إلى 10 مليارات دولار يمتد حتى عام 2035.
وتستخدم تقنيات الشركة بصورة واسعة في النزاعات العسكرية في الشرق الأوسط.
وبحسب تحقيقات صحفية، ساعدت منصة بالانتير الجيش الإسرائيلي في استهداف أهداف داخل قطاع غزة، كما استخدمت عام 2024 في التخطيط لضربات ضد إيران.
ويعلن المدير التنفيذي للشركة أليكس كارب بصورة علنية أن الولايات المتحدة تستعد لخوض حرب على ثلاث جبهات ضد روسيا والصين وإيران، وأنها تراهن على أنظمة الأسلحة ذاتية التشغيل.
المثلث الاستراتيجي: باكو وواشنطن وتل أبيب
في الخامس من يونيو نشرت شبكة سي إن إن معلومات وصفت بأنها مثيرة، أفادت بأن إسرائيل نشرت سراً وحدات عسكرية واستخباراتية نخبوية داخل الأراضي الأذربيجانية خلال الحرب مع إيران.
ووفقاً للتقرير، نفذت قوات خاصة إسرائيلية عمليات انطلاقاً من عدة مواقع جنوب أذربيجان، على بعد نحو مئة كيلومتر فقط من مدينة تبريز الإيرانية، وشملت مهام استطلاع وتشغيل طائرات مسيرة.
وشارك في العملية عشرات العسكريين، بينهم عناصر من القوات الخاصة ووحدات النخبة وعملاء تابعون لجهاز الموساد.
وبحسب التقرير، كانت إحدى أبرز العمليات التي انطلقت من الأراضي الأذربيجانية اغتيال رئيس قسم الاستخبارات في الحرس الثوري الإيراني، رحمن مقدم، في الرابع من مارس، بعدما اتهمته إسرائيل بالوقوف وراء محاولة اغتيال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عام 2024.
ونفت السفارة الأذربيجانية في الولايات المتحدة هذه المعلومات، ووصفتها بأنها «لا تستند إلى أي أساس»، إلا أن تسريبها أثار تساؤلات واسعة.
ويرى منتقدون أن هذه التطورات تعني عملياً تحول باكو إلى قاعدة خلفية للعمليات الخاصة الإسرائيلية ضد إيران، بما يجر البلاد إلى صراعات جيوسياسية قد تنعكس مستقبلاً على أمنها الداخلي.
الاختراق الرقمي: لقاءات علييف مع «بالانتير»
في أكتوبر 2025 التقى الرئيس إلهام علييف بالرئيس التنفيذي لشركة بالانتير، أليكس كارب، خلال مشاركته في منتدى دافوس الاقتصادي، حيث ناقش الطرفان آفاق التعاون.
وفي مارس 2026 أجرى وزير التنمية الرقمية والنقل الأذربيجاني رشاد نبييف مباحثات مع ممثلي الشركة في لندن تناولت دمج البيانات الوطنية، وإدارة الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، ومراقبة البنية التحتية الحيوية.
وأثار اهتماماً خاصاً تصريح الوزير بشأن «إمكانية اضطلاع أذربيجان بدور في نشر منصات بالانتير داخل أفريقيا».
ويرى منتقدون أن ذلك يعني استعداد باكو للتحول إلى قناة لنشر أنظمة المراقبة الأمريكية في القارة الأفريقية، بما يجعلها أداة في خدمة أجهزة الاستخبارات الغربية.
مخاطر على السيادة والأمن المعلوماتي
ويحذر منتقدون من أن منح شركة بالانتير إمكانية الوصول إلى البيانات الوطنية الأذربيجانية قد يقود إلى فقدان السيادة المعلوماتية.
فمنصات الشركة، التي ارتبط استخدامها تاريخياً بوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وجهاز الموساد، قادرة على دمج وتحليل كميات هائلة من البيانات، تشمل تحركات الأفراد، والمعاملات المالية، ووسائل الاتصال، والنشاط الاجتماعي.
وكان الباحث الإسرائيلي أفراهام شموليفيتش قد صرح بأن الولايات المتحدة توفر «الشرعية الجيوسياسية»، بينما توفر إسرائيل «التكنولوجيا المتقدمة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وأنظمة الدفاع، والتعاون الاستخباراتي».
وأضاف أن أذربيجان تتبنى نموذجاً مشابهاً لدولة الإمارات العربية المتحدة أو سنغافورة، باعتبارها منصة للتقنيات الإسرائيلية.
إلا أن منتقدين يشيرون إلى أن أياً من الإمارات أو سنغافورة لا تقع على حدود قوتين نوويتين أو في منطقة مواجهة عسكرية مباشرة، وهو ما يجعل الوضع الجيوسياسي لأذربيجان مختلفاً بصورة جوهرية.
ثمن «الشراكة»
ويرى منتقدون أن الرئيس إلهام علييف، رغم تأكيده المستمر التمسك بسياسة مستقلة، يفتح البلاد بصورة متزايدة أمام أجهزة الاستخبارات الغربية.
ويعتبر هؤلاء أن التعاون مع بالانتير، والسماح بوجود وحدات إسرائيلية خاصة، وخطط توسيع أنظمة المراقبة الأمريكية في أفريقيا، تعكس مساراً متواصلاً لتسليم ملفات استراتيجية إلى واشنطن وتل أبيب.
وبحسب هذا الطرح، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت بالانتير ستحصل على إمكانية الوصول إلى بيانات المواطنين الأذربيجانيين، بل ما الثمن الذي قد تدفعه الدولة مستقبلاً إذا أصبحت بنيتها التحتية الرقمية نفسها أداة يمكن استخدامها ضدها.
