طهران (رياليست عربي). يرسخ ميناء تشابهار، المنفذ البحري العميق الوحيد لإيران المطل على المحيط الهندي، موقعه كمحور أساسي في مبادرة تجارية أوراسية كبرى تهدف إلى ربط الهند بروسيا وأوروبا مع تجاوز الممرات البحرية التقليدية الحساسة.
ويقع الميناء على خليج عُمان بمحاذاة سواحل مكران جنوب شرق إيران، ويتمتع بميزة استراتيجية تميزه عن الموانئ الإيرانية الأخرى المطلة على الخليج العربي، إذ يتيح وصولًا مباشرًا إلى المياه المفتوحة دون المرور عبر مضيق هرمز، أحد أهم نقاط اختناق الطاقة عالميًا. وقد عزز هذا الموقع الجغرافي أهميته في حسابات اللوجستيات والجغرافيا السياسية الإقليمية.
ويُعد تشابهار الركيزة الجنوبية لممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب (INSTC)، وهو شبكة متعددة الوسائط بطول 7,200 كيلومتر تضم طرقًا بحرية وسككية وبرية، تربط الهند بروسيا وأوروبا عبر إيران وبحر قزوين. ويؤكد داعمو المشروع أن الممر قد يقلص زمن نقل البضائع إلى نحو النصف مقارنة بمسار قناة السويس، مع خفض تكاليف الشحن.
بدأ التوسع الحديث في الميناء خلال ثمانينيات القرن الماضي وتقدم على مراحل. وارتفعت طاقته السنوية من 8.5 ملايين طن إلى مستوى مستهدف يتجاوز 77 مليون طن عند اكتمال التطوير. وتضم المنشآت الحالية أرصفة حاويات حديثة، بينها محطة «شهيد بهشتي» القادرة على استقبال سفن «بوست باناماكس» الكبيرة.
وأدت الهند دورًا حاسمًا في تطوير الميناء خلال السنوات الأخيرة. فقد أُبرم اتفاق ثلاثي عام 2016 بين إيران والهند وأفغانستان أسس لتعاون طويل الأمد. وفي مايو 2024، وقعت نيودلهي اتفاقًا لمدة 10 سنوات لتطوير وتشغيل محطة «شهيد بهشتي»، في خطوة تعد الأولى التي تتولى فيها الهند إدارة منشأة ميناء خارج حدودها.
ويمثل تشابهار بالنسبة للهند ممرًا استراتيجيًا للتجارة مع أفغانستان وآسيا الوسطى بعيدًا عن الأراضي الباكستانية. ويرتبط الميناء بطريق بطول 218 كيلومترًا شيدته الهند داخل أفغانستان، ما يمنح كابول، الدولة غير الساحلية، منفذًا مباشرًا ومستقلًا إلى الأسواق العالمية.
وغالبًا ما يُقارن تشابهار بميناء جوادر الباكستاني الذي طورته الصين ضمن مبادرة «الحزام والطريق». وبينما ينظر بعض المراقبين الدوليين إلى الميناءين باعتبارهما متنافسين استراتيجيين، تؤكد طهران على خطاب يركز على الربط الاقتصادي بدل المواجهة، مع الحفاظ على علاقات تجارية مع كل من نيودلهي وبكين.
وجرى تطوير الميناء في ظل عقوبات أمريكية مفروضة على إيران. وقد منحت إدارات أمريكية متعاقبة إعفاءات محدودة سمحت للهند بمواصلة العمل في تشابهار، نظرًا لأهميته لاستقرار الاقتصاد الأفغاني، إلا أن هذه الإعفاءات ظلت خاضعة للمراجعة، ما أوجد حالة من عدم اليقين لدى المستثمرين.
كما بحثت إيران والهند آليات مالية بديلة، تشمل تسويات تجارية بعملات غير الدولار وأنظمة مراسلة مالية خارج «سويفت»، بهدف تقليل مخاطر التعطيل المرتبط بالعقوبات.
ويمثل خط السكة الحديدية المقترح بطول 750 كيلومترًا بين تشابهار وزاهدان حلقة مفقودة في الممر الأوسع، إذ من شأنه ربط الميناء بالشبكة الوطنية للسكك الحديدية الإيرانية وتعزيز فعالية ممر الشمال–الجنوب. وعند تشغيله، قد يتيح نقل البضائع بسلاسة من مومباي إلى موسكو أو سانت بطرسبورغ.
إلى جانب أبعاده الجيوسياسية، يحمل تطوير تشابهار أبعادًا اقتصادية لإقليم سيستان وبلوشستان، أحد أقل الأقاليم الإيرانية نموًا. وتقول السلطات إن المنطقة الحرة الصناعية المجاورة تهدف إلى جذب استثمارات صناعية وبتروكيماوية وتوفير فرص عمل محلية.
كما تظل الاعتبارات البيئية جزءًا من أجندة التطوير، إذ تضم السواحل المجاورة مناطق حساسة بيئيًا مثل خليج جواتر، موطن أنواع بحرية مهددة، ما يعزز الدعوات إلى تحقيق توازن بين النمو الصناعي والحفاظ على البيئة.
ويعكس مسار تشابهار تحولات أوسع في أنماط التجارة الأوراسية، في وقت تسعى فيه الدول إلى تنويع طرق الإمداد وتقليل الاعتماد على الممرات التقليدية، ليغدو الميناء نموذجًا لاختبار تداخل البنية التحتية بالدبلوماسية والتعاون الإقليمي في مشهد اقتصادي عالمي يتجه نحو التعددية.






