برازافيل (رياليست عربي). بدأت منشأة عائمة ضخمة لتسييل الغاز الطبيعي، راسية قبالة سواحل جمهورية الكونغو، تصدير أولى شحناتها إلى أوروبا الأسبوع الماضي، في خطوة تعكس عودة الزخم إلى تقنية التسييل البحري التي كانت تُعد سابقًا مرتفعة التكلفة وصعبة التوسع.
وتُعد السفينة «نغويا»، التي تديرها مجموعة الطاقة الإيطالية «إيني»، من أكبر منصات الغاز الطبيعي المسال العائمة في العالم. ويبلغ طولها ما يفوق حاملة طائرات أمريكية، وتعلو بشكل ملحوظ ناقلات الغاز التقليدية التي ترسو لتحميل الشحنات. وتقوم المنصة بمعالجة الغاز المستخرج من الحقول البحرية وتبريده إلى درجة ناقص 162 مئوية لتحويله إلى غاز طبيعي مسال، تمهيدًا لتصديره إلى أسواق من بينها إسبانيا وإيطاليا.
وعلى مدى عقود، جرت عمليات تسييل الغاز أساسًا في محطات برية ضخمة في دول مثل الولايات المتحدة وقطر وأستراليا. أما تقنية التسييل العائم (FLNG) فتهدف إلى نقل هذه القدرة مباشرة فوق الحقول البحرية، ما يقلل الحاجة إلى خطوط أنابيب طويلة وبنية تحتية برية معقدة.
وشهدت المحاولات الأولى تحديات كبيرة. فقد واجه مشروع «بريلود» العائم التابع لشركة «شل» في أستراليا — والذي بلغت كلفته 12 مليار دولار — تجاوزات مالية وصعوبات تقنية، ما أثار شكوكًا حول الجدوى التجارية للتقنية. غير أن مسؤولي القطاع يؤكدون أن التطورات الهندسية وانخفاض تكاليف البناء حسّنا المعادلة الاقتصادية.
وقال الرئيس التنفيذي لـ«إيني» كلاوديو ديسكالزي إن المنصات العائمة توفر سرعة تنفيذ وأمانًا أكبر، خاصة في المناطق التي تواجه فيها المشاريع البرية مخاطر لوجستية أو سياسية. وأشار إلى تأجيل مشروع «توتال إنرجيز» للغاز الطبيعي المسال في موزمبيق، البالغة قيمته 20 مليار دولار، عقب هجوم مسلح عام 2021، بينما واصلت منشأة «كورال ساوث» العائمة التابعة لـ«إيني» عملها منذ 2022 دون انقطاع لوقوعها في عرض البحر بعيدًا عن مناطق الاضطراب.
وبُنيت «نغويا» في الصين بواسطة شركة «ويسون»، وتم تسليمها خلال أقل من ثلاث سنوات. وتقدّر «إيني» أن تكلفة منشآت التسييل العائمة انخفضت بنسبة تصل إلى 40% في السنوات الأخيرة، لتقل عن مليار دولار لكل مليون طن من الطاقة الإنتاجية السنوية، رغم أن الاستثمار الإجمالي يرتفع عند احتساب البنية التحتية المساندة.
ويتوسع سوق التسييل العائم عالميًا. فشركة «غولار إل إن جي» المدرجة في الولايات المتحدة تعيد تحويل ناقلات قديمة إلى وحدات إنتاج يمكن تأجيرها للمنتجين. وتعمل إحدى سفنها، «غيمي»، قبالة سواحل موريتانيا والسنغال بعقد طويل الأجل مع «بي بي». وقد ارتفعت أسهم «غولار» بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة مع تنامي ثقة المستثمرين بالنموذج.
ويرى محللون في «وود ماكنزي» أن أفريقيا أصبحت بؤرة رئيسية لمشاريع التسييل العائم نظرًا لغنى احتياطياتها البحرية واستمرار التحديات الأمنية على اليابسة. كما تُدرس مشاريع في أمريكا اللاتينية، بينها حقل «فاكا مويرتا» في الأرجنتين، حيث تخطط «إيني» لنشر وحدات عائمة أكبر بطاقة قد تصل إلى 18 مليون طن سنويًا، وهو مستوى يقارب قدرات بعض محطات التصدير الأمريكية الكبرى.
ومع ذلك، يحذر قادة الصناعة من استمرار قيود تقنية، إذ قد تحد ظروف البحر وسعة الهيكل والأداء البيئي من إمكانات الانتشار. كما أن المنشآت العائمة — التي تعتمد عادة على توربينات غازية — لا تضاهي بعد كفاءة بعض المحطات البرية الحديثة المزودة بأنظمة كهربائية متطورة.
ورغم هذه التحديات، يرى المسؤولون أن مرونة التسييل العائم — خاصة للحقول ذات الأعمار الإنتاجية الأقصر — تجعله خيارًا جذابًا بشكل متزايد، إذ يمكن نقل المنشآت إلى مواقع أخرى عند نضوب الاحتياطيات، ما يقلل التكاليف الغارقة على المدى الطويل.
وفي ظل استمرار سعي أوروبا لتنويع إمدادات الغاز وإعادة تشكيل تدفقات الطاقة العالمية بفعل المخاطر الجيوسياسية، تبرز مشاريع مثل «نغويا» كدليل على انتقال التسييل العائم من تقنية تجريبية إلى عنصر أساسي في البنية التحتية لسوق الغاز العالمي.






