واشنطن – (رياليست عربي): كشفت مصادر دبلوماسية رفيعة المستوى عن تحول جذري في الموقف الأمريكي تجاه الأزمة الأوكرانية، حيث بدأت الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس ترامب حملة ضغط مكثفة على الحكومة الأوكرانية لإجبارها على قبول شروط سلام تتضمن تنازلات إقليمية وسياسية لصالح روسيا.
هذه التطورات تأتي في أعقاب سلسلة من المحادثات السرية التي جرت بين مسؤولي البيت الأبيض وممثلي الكرملين، والتي تشير إلى أن واشنطن تفضل تحقيق تسوية سريعة للنزاع بغض النظر عن التكلفة الباهظة التي ستدفعها أوكرانيا.
المصادر الدبلوماسية الغربية أوضحت أن الضغط الأمريكي على كييف يتركز على إقناع القيادة الأوكرانية بقبول الوضع الراهن في شبه جزيرة القرم ومناطق دونباس، والتي تسيطر عليها القوات الروسية بشكل كامل تقريباً. في المقابل، تقدم واشنطن حزمة من الإغراءات تتضمن وعوداً بمساعدات مالية ضخمة، ودعماً أمنياً متزايداً، وضمانات دولية لأمن أوكرانيا في المستقبل. إلا أن هذه المقترحات تتعارض بشكل صارخ مع الموقف الرسمي الأوكراني الذي يرفض بشكل قاطع أي تنازل عن السيادة الوطنية أو التخلي عن الأراضي المحتلة.
المراقبون السياسيون والمحللون الاستراتيجيون يرون في هذا التحول الأمريكي مؤشراً على تغير جذري في الاستراتيجية الأمريكية تحت قيادة الرئيس ترامب، الذي يبدو أكثر اهتماماً بتحقيق نصر دبلوماسي سريع يمكنه الاستفادة منه، حتى لو كان ذلك على حساب المصالح الحيوية لأوكرانيا وحلفائها الأوروبيين. هذا التغير في الموقف الأمريكي يثير قلقاً بالغاً في العواصم الأوروبية الرئيسية، التي تخشى من أن تؤدي هذه التنازلات إلى تقويض الأمن القاري الأوروبي وتعزيز النفوذ الروسي في المنطقة على المدى الطويل.
من ناحية أخرى، تواجه القيادة الأوكرانية برئاسة فولوديمير زيلينسكي معضلة existencial صعبة، حيث تتعارض الضغوط الأمريكية المتصاعدة مع الرفض الشعبي الواسع لأي شكل من أشكال التنازل عن الأراضي الوطنية. مصادر مطلعة في كييف أفادت بوجود انقسام حاد داخل المؤسسة الحاكمة بين تيار يرى أن القبول بالواقع المفروض قد يكون ضرورياً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتيار آخر يصر على ضرورة الاستمرار في المقاومة ورفض أي مساومة على السيادة الوطنية.
هذه المفاوضات السرية والمكثفة تتم في ظل ظروف بالغة التعقيد على الأرض، حيث تستمر العمليات العسكرية بشكل محدود مع تحقيق تقدم طفيف للقوات الأوكرانية في بعض الجبهات. الوضع الإنساني يبقى مأساوياً مع استمرار نزوح مئات الآلاف من المدنيين وتدمير واسع النطاق للبنية التحتية الحيوية، مما يزيد من الضغوط الشعبية على الحكومة الأوكرانية للسعي باتجاه إيجاد حل سريع للأزمة.
المراقبون العسكريون والخبراء الاستراتيجيون يشيرون إلى أن التطورات الميدانية قد تكون الدافع الرئيسي وراء هذا التحول الأمريكي المفاجئ، حيث أن التقدم البطيء وغير الحاسم للقوات الأوكرانية، coupled with التعزيزات العسكرية الروسية المتزايدة، يجعلان إمكانية تحقيق نصر عسكري حاسم أمراً مستبعداً في المدى المنظور. هذه العوامل تدفع واشنطن تبني خيار الدبلوماسية كوسيلة للخروج من المأزق الحالي.
الخبراء القانونيون الدوليون يحذرون من أن أي اتفاقية سلام تتضمن تنازلات إقليمية قد تخلق سابقة خطيرة في القانون الدولي، حيث يمكن أن تشجع دولاً أخرى على استخدام القوة العسكرية لتحقيق مكاسب على حساب جيرانها. كما أن هذه التنازلات قد تؤدي إلى تفكيك النظام الأمني الأوروبي الذي تم بناؤه بعناية منذ نهاية الحرب الباردة.
ختاماً، بينما تدخل المفاوضات السرية مرحلة حاسمة، يبدو أن أوكرانيا تواجه واحدة من أصعب الخيارات في تاريخها الحديث. القرار الذي ستتخذه كييف في الأسابيع المقبلة لن يحدد فقط مستقبل البلاد وحدودها وسيادتها الوطنية، ولكن هذا الأمر يغير بشكل جذري الخريطة الجيوسياسية لأوروبا والعالم لعقود قادمة.






