تونس – (رياليست عربي). مع حلول الليل على منطقة حلق الوادي في ضاحية العاصمة التونسية، خرج تمثال السيدة العذراء من كنيسة القديس أوغسطين والقديس فيديلي محمولاً على أكتاف نحو اثني عشر من أبناء الرعية، ليتقدّم وسط ساحة مكتظة وسط هتافات وزغاريد، بينما رفع أحد الحاضرين العلم التونسي فوق الجموع.
مئات الأشخاص — تونسيون، وأوروبيون، ومهاجرون من إفريقيا جنوب الصحراء — شاركوا في الزياح السنوي لسيدتنا دي تراباني، إحدى أبرز الاحتفالات الكاثوليكية العلنية في تونس. كثير من المشاركين، خصوصاً الذين حضروا القداس قبل المسيرة، كانوا من المهاجرين الأفارقة.
وقال إسحق لوسافو من جمهورية الكونغو الديمقراطية: «إنها العذراء التي جمعتنا هنا اليوم… لقد وحّدتنا جميعاً».
تحركت المسيرة في دائرة بطيئة حول الساحة وسط تراتيل دينية، وتحت جدارية ضخمة للممثلة الإيطالية كلوديا كاردينالي المولودة في حلق الوادي، تذكيراً بأن الحي كان موطناً لآلاف المهاجرين الصقليين الذين جلبوا هذه المناسبة إلى تونس في أواخر القرن التاسع عشر.
بلغت الاحتفالات ذروتها في مطلع القرن العشرين، حين كان المسيحيون والمسلمون واليهود يرافقون تمثال العذراء إلى البحر لطلب البركة لقوارب الصيادين. لكن التقليد اختفى بعد الاستقلال مع رحيل معظم الأوروبيين وتعليق الاحتفالات المسيحية العامة، وبقي التمثال داخل الكنيسة من 1964 حتى 2017.
وحصلت الكنيسة قبل سبعة أعوام على إذن رسمي لإحياء المسيرة من جديد. واليوم يشارك شباب تونسيون كثر — بمن فيهم مسلمون يجلّون مريم في الإسلام — بدافع الاهتمام الثقافي أو الحنين إلى ماضي حلق الوادي المتعدد الثقافات، الذي خلدته السينما التونسية.
ومع تقلص سكان تونس الأوروبيين، أعادت جاليات المهاجرين الأفارقة تشكيل تركيبة الكنيسة. وكثير منهم، ممن يعانون التمييز في حياتهم اليومية، أصبحوا يشكلون الآن غالبية الكاثوليك الممارسين في البلاد. وتظهر جدارية داخل الكنيسة العذراء وهي تبسط عباءتها فوق تونسيين وصقليين وأفارقة — تحيط بهم جوازات سفر تائهة ترمز إلى رحلات البحر الخطرة.
وقال رئيس الأساقفة نيكولا ليرنو لقناة الجزيرة: «كان هذا الاحتفال يجسد يوماً الصلة بين ضفتي البحر المتوسط… واليوم يجمع مجموعة أكثر تنوعاً — محليين ومهاجرين وسياحاً. مريم نفسها كانت مهاجرة».
ورغم اختفاء معظم معالم «صقلية الصغيرة» من حلق الوادي، يقول أحفاد المجتمع الأصلي إن آثارها ما تزال حاضرة — في الذاكرة، والسينما، وحتى في تفاصيل صغيرة مثل حرص تونسيين على زيارة قبور أقاربهم الصقليين في عيد جميع القديسين.
وقالت ريتا سترازيرا، المولودة في تونس لأبوين صقليين: «بالنسبة لي، هو تذكير بأن صقلية الصغيرة لا تزال هنا بيننا».






