أنقرة — (رياليست عربي). دخلت تركيا مرحلة سياسية شديدة التوتر بعد أن أصدرت محكمة في أنقرة حكما يقضي بإلغاء نتائج المؤتمر العام لحزب الشعب الجمهوري لعام 2023، ما يعني إسقاط انتخاب أوزغور أوزيل رئيسا لأكبر أحزاب المعارضة في البلاد.
القرار، الذي صدر مساء 21 مايو، ينص على تعليق مهام أوزيل وعدد من قيادات الحزب بشكل مؤقت، وإعادة القيادة السابقة برئاسة كمال كليجدار أوغلو إلى إدارة الحزب لحين انتهاء مسار الطعون القضائية.
ويمثل الحكم ضربة مباشرة للمعارضة التركية قبل أقل من عامين من الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2028، في وقت تشير فيه استطلاعات الرأي إلى تقارب كبير بين حزب الشعب الجمهوري والحزب الحاكم بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان.
ورد حزب الشعب الجمهوري بعقد اجتماع طارئ لهيئته التنفيذية، معلنا رفضه الاعتراف بالحكم ووصفه بأنه «انقلاب سياسي عبر القضاء». وأكد الحزب أنه سيتقدم بطعن أمام المحكمة العليا خلال المهلة القانونية المحددة بأسبوعين.
وقال أوزغور أوزيل عقب الاجتماع: «لا حزبنا ولا بلادنا سيخضعان لهذا الانقلاب».
وأثارت التطورات السياسية اضطرابا فوريا في الأسواق المالية التركية. فقد هبط مؤشر بورصة إسطنبول بأكثر من 6% خلال ساعات، بينما تراجعت الليرة التركية بشكل حاد قبل أن تستقر قرب مستوى 45.6 ليرة مقابل الدولار.
وتأتي الأزمة في وقت يواجه فيه الاقتصاد التركي ضغوطا متزايدة نتيجة التضخم المرتفع وتداعيات الحرب المرتبطة بإيران. وبلغ معدل التضخم السنوي 32.4%، وهو أعلى مستوى خلال ستة أشهر، فيما اضطر البنك المركزي التركي في أبريل إلى رفع توقعاته للتضخم بنهاية العام من 18% إلى 26%.
وينظر إلى عودة كمال كليجدار أوغلو باعتبارها خطوة مثيرة للجدل داخل المعارضة نفسها، إذ يحمّل جزء من قواعد الحزب القيادة السابقة مسؤولية الخسائر الانتخابية الماضية. ويحذر مراقبون من أن القرار قد يؤدي إلى انقسامات داخلية وإضعاف الحشد الشعبي ضد أردوغان.
وتصاعدت الضغوط على المعارضة منذ اعتقال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو العام الماضي بتهم فساد، في قضية اعتبرتها المعارضة محاولة لإقصاء أبرز منافسي الرئيس التركي سياسيا.
وأدى اعتقال إمام أوغلو حينها إلى احتجاجات واسعة وانهيار حاد في سعر الليرة، بينما أنفق البنك المركزي التركي نحو $50 مليار للدفاع عن العملة المحلية.
ومنذ ذلك الحين، توسعت حملة الاعتقالات لتشمل عشرات المسؤولين والشخصيات المعارضة، وسط اتهامات للحكومة باستخدام القضاء والأجهزة الأمنية لتصفية الخصوم السياسيين قبل الانتخابات المقبلة.
وجاء الحكم القضائي في توقيت حساس، بالتزامن مع وجود وزير المالية محمد شيمشك ومحافظ البنك المركزي فاتح قرة خان في لندن لعقد اجتماعات مع مستثمرين دوليين في محاولة لاستعادة الثقة بالاقتصاد التركي وجذب رؤوس الأموال الأجنبية.
وفي الوقت نفسه، أقر البرلمان التركي حزمة واسعة من الإعفاءات الضريبية والحوافز الاقتصادية لجذب الاستثمارات التي تبحث عن ملاذات آمنة بعيدا عن اضطرابات الخليج الناتجة عن الحرب مع إيران.
ووصف وزير العدل التركي أكين غورليك الحكم القضائي بأنه «تعزيز لثقة المواطنين بالديمقراطية»، مؤكدا أن القضاء التركي «مستقل ومحايد».
لكن المعارضة تؤكد أن القضية ذات خلفية سياسية واضحة، معتبرة أن السلطة تسعى إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي عبر القضاء وإضعاف أي منافس محتمل لأردوغان.
وفي ظل تصاعد التوتر، قال نائب رئيس حزب السعادة مصطفى يلماز إن قرار المحكمة قد يدفع البلاد نحو انتخابات مبكرة خلال 45 يوما.
وترافقت الأزمة السياسية مع تصعيد أمني داخلي وخارجي. ففي محافظة أرضروم تعرضت حافلة انتخابية تابعة لإمام أوغلو لهجوم أدى إلى إصابة عدد من أنصاره.
كما كثفت أنقرة عملياتها العسكرية ضد حزب العمال الكردستاني في شمال العراق وسوريا، معلنة أن جميع البنى التحتية التابعة للحزب أصبحت «أهدافا مشروعة».
وأدانت وزارة الخارجية السورية الضربات التركية الأخيرة، معتبرة أنها تمثل «تهديدا مباشرا للأمن والاستقرار الإقليمي».
ويرى مراقبون أن تركيا تدخل مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع الأزمة الاقتصادية مع الاستقطاب السياسي والتوترات الإقليمية، بينما تواجه المعارضة أخطر اختبار لوحدتها وقدرتها على مواجهة السلطة منذ سنوات.






