الخرطوم — (رياليست عربي). بينما تهيمن الحروب الكبرى على الاهتمام الدولي، تتراجع الحرب في السودان تدريجيا إلى هامش المشهد العالمي، رغم أن البلاد تعيش واحدة من أخطر الكوارث الإنسانية والسياسية في العالم منذ أكثر من ثلاث سنوات.
فأكثر من 14 مليون شخص نزحوا من منازلهم، ومدن كاملة فرغت من سكانها، فيما انهارت قطاعات واسعة من الخدمات الأساسية، وتوقفت مستشفيات عن العمل بسبب نقص الكهرباء والأدوية والكوادر الطبية.
لكن السودان عاد فجأة إلى العناوين الدولية في مارس الماضي، ليس بسبب المجاعة أو تدهور الوضع الإنساني، بل بعدما أعلنت وزارة الخارجية الأميركية نيتها تصنيف جماعة الإخوان المسلمين السودانية «منظمة إرهابية أجنبية»، متهمة إياها بتلقي دعم من الحرس الثوري الإيراني.
هذا التحول كشف، بحسب مراقبين، طبيعة المقاربة الدولية الحالية للأزمة السودانية: فالسودان لا يعود إلى دائرة الاهتمام إلا عندما يُربط بصراعات جيوسياسية أكبر، وفي مقدمتها المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران.
ويرى محللون أن الحرب في السودان لا تزال في جوهرها صراعا داخليا ناتجا عن فشل الانتقال السياسي وتفكك مؤسسات الدولة والتنافس بين القوى المسلحة على السلطة والموارد، لكن التدخلات الخارجية ساهمت في تعقيد النزاع وإطالته.
ومع تصاعد التوتر الإقليمي خلال عام 2026، بدأت الحرب السودانية تُقرأ من زاوية مختلفة، باعتبارها جزءا من شبكة أوسع من الصراعات الإقليمية المرتبطة بالبحر الأحمر وإيران والطائرات المسيّرة وتحولات موازين القوى في الشرق الأوسط.
إلا أن هذا الإطار، بحسب متابعين، يؤدي إلى تشويه فهم الأزمة أكثر مما يفسرها، لأن الفاعلين السودانيين لا يتحركون فقط بوصفهم وكلاء لقوى خارجية، بل ضمن حسابات داخلية معقدة تراكمت على مدى سنوات.
ويحذر مراقبون من أن تحويل السودان إلى مجرد ملف أمني ضمن حسابات النفوذ الإقليمي يغيّر أولويات المجتمع الدولي، بحيث يصبح الهدف «إدارة الحرب» بدل إنهائها فعليا.
وفي موازاة ذلك، يتفاقم الانهيار الاقتصادي داخل السودان بوتيرة متسارعة.
فالحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وما تبعها من اضطرابات في مضيق هرمز دفعت أسعار النفط العالمية إلى مستويات قياسية تجاوزت 100 دولار للبرميل، ما انعكس مباشرة على السودان الذي يعتمد بشكل كبير على واردات الوقود.
وخلال أيام قليلة فقط، ارتفعت أسعار البنزين في السوق الموازية من نحو 18 ألف جنيه سوداني إلى ما يقارب 30 ألف جنيه للجالون الواحد، الأمر الذي أدى إلى اضطرابات واسعة في النقل وسلاسل الإمداد وأسعار الغذاء.
وفي مدن مثل أم درمان وود مدني، أوقف بعض التجار عمليات البيع مؤقتا بسبب التقلبات الحادة في الأسعار، فيما ارتفعت أسعار السكر ومواد البناء والسلع الأساسية بشكل كبير.
كما تتزايد صعوبة الحصول على الأدوية والمستلزمات الطبية مع تعطل سلاسل التوريد وارتفاع تكاليف الشحن والاستيراد.
وبحسب تقديرات رسمية، تجاوز معدل التضخم في السودان 56% مطلع عام 2026، قبل أن تتفاقم الأزمة مع موجة الارتفاع الأخيرة في أسعار الوقود والطاقة.
ويرى خبراء أن المفارقة الأساسية في الحالة السودانية تكمن في أن البلاد أصبحت أكثر أهمية من الناحية الجيوسياسية، لكنها في الوقت نفسه أقل حضورا إنسانيا في النقاش الدولي.
فالقضية السودانية باتت تُختزل في حسابات الأمن الإقليمي والتحالفات والصراع مع إيران، بينما يتراجع الحديث عن المدنيين والانهيار الإنساني.
ويحذر محللون من أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى ترسيخ الحرب كنظام سياسي دائم داخل السودان، في ظل غياب عملية سياسية حقيقية وتنامي نفوذ الجماعات المسلحة.
كما أن تجاهل جذور الأزمة أو التعامل معها فقط عبر منظور أمني قد يؤدي إلى توسع تداعياتها خارج الحدود السودانية، سواء عبر موجات النزوح أو تصاعد العنف الإقليمي أو انهيار الاستقرار في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
ويرى مراقبون أن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس فقط حجم المأساة، بل الطريقة التي يُعاد بها تفسير هذه المأساة دوليا، إذ لم تعد الحرب تُفهم باعتبارها أزمة سودانية داخلية، بل كجزء من صراع أوسع تقوده حسابات القوى الكبرى.
وفي ظل هذا الواقع، تتزايد الدعوات لإعادة التركيز على جذور الأزمة السودانية نفسها، قبل أن تتحول البلاد بالكامل إلى ساحة مفتوحة لصراعات إقليمية ودولية تتجاوز حدودها.






