لندن – (رياليست عربي). قبل ساعة واحدة من إعلان وزيرة الخزانة البريطانية رايتشل ريفز لميزانيتها، نشر مكتب المسؤولية المالية بالخطأ تقريره الكامل المؤلف من 203 صفحات — في واقعة رمزية تعكس حالة الاضطراب السياسي التي تمر بها البلاد. لكن هذا التسريب لم يغطِّ على المشكلة الحقيقية: الأزمة البنيوية التي تخنق الاقتصاد البريطاني.
فبعد انتخابه على أساس خطة عشرية لإنهاء «سياسة الترقيع»، يجد رئيس الوزراء كير ستارمر حكومته مقيَّدة بتباطؤ الإنتاجية، وتقلبات الأسواق، وتدهور النظرة المالية. وألغت ريفز عدداً من تعهداتها السابقة، بما في ذلك عدم رفع الضرائب على «الطبقة العاملة» وعدم تمديد تجميد حدود ضريبة الدخل — لكنها قامت بالأمرين معاً، معلنةً 26 مليار جنيه إسترليني زيادات ضريبية فوق الـ 40 ملياراً التي أقرتها العام الماضي. وتشير التوقعات إلى أن العبء الضريبي سيبلغ 38.3% من الناتج المحلي بحلول 2030/31 — أعلى مستوى في تاريخ بريطانيا الحديث.
ميزانية لكسر “حلقة الهبوط الاقتصادي”
قالت ريفز إن هذه الإجراءات ضرورية لكسر «حلقة الهبوط الاقتصادي». وقد ضاعفت الحكومة احتياطها المالي إلى 21.7 مليار جنيه. وخلص مكتب المسؤولية المالية إلى أن ريفز «الأكثر احتمالاً» لبلوغ قواعد الانضباط المالي بحلول 2030 مقارنة بأي وزير مالية منذ الجائحة، لكنه حذّر من أن الهوامش ضيقة، وأن المالية العامة «شديدة الهشاشة تجاه الصدمات المستقبلية». ورفضت ريفز استبعاد زيادات ضريبية إضافية قبل 2029.
ضغوط سياسية وتراجع ثقة بقيادة ستارمر
تراجع أرقام استطلاعات حزب العمال أثار نقاشاً داخلياً حول قيادة ستارمر، وسط مخاوف من أن تشهد البلاد سادس رئيس وزراء منذ 2019. ويؤكد خبراء أن التخطيط الاقتصادي البريطاني يبقى «أسير ضغوط الأسبوع للأسبوع»، كما قال المستشار السابق في الخزانة كاميرون براون، معتبراً أن طموحات ريفز طويلة الأجل اصطدمت سريعاً بقيود النظام.
ورغم أن العديد من الإجراءات الضريبية ستكون مؤجلة لما بعد انتخابات 2029، تقول ريفز إن هذا يعكس التخطيط طويل المدى — لكن أي وزير مالية لاحق قد يعيد كتابة السياسة بالكامل. كما خضعت بعض الإصلاحات التي رُوّج لها باعتبارها «جذرية» لتخفيف فوري، مثل قرار إنهاء تجميد ضريبة الوقود لأكثر من 15 عاماً، الذي تم تمديده ستة أشهر إضافية.
عبودية الأسواق المالية
يبقى اعتماد بريطانيا على الأسواق المالية من أبرز القيود. فارتفاع الفوائد وضعف الطلب المحلي على السندات دفعا تكلفة خدمة الدين البريطاني إلى أعلى مستوى بين دول مجموعة السبع. ورغم انخفاض عوائد السندات بعد الميزانية، يتوقع مكتب المسؤولية المالية أن يرتفع الدين من 95% إلى 96.1% من الناتج المحلي بحلول نهاية العقد — ضعف متوسط الاقتصادات المتقدمة.
مطالب داخل حزب العمال لإجراءات “أكثر جرأة”
صفّق نواب العمال لإلغاء «حد الطفلين» في الإعانات وطالبوا بمزيد من الخطوات. الميزانية بدت تقدمية نسبياً، مع رفع الضرائب على الممتلكات الفارهة والمعاشات والمدخرات، مقابل رفع الحد الأدنى للأجور وتقديم دعم للطاقة. لكن ريفز تواجه أسئلة حول الوجه الذي ستتخذه كوزيرة مالية: إعادة توزيع ورفع ضرائب، أم تحرير اقتصادي وزيادة نمو؟
توقعات النمو تكشف عمق المعضلة. فقد ارتفع توقع نمو 2025 إلى 1.5%، لكن التوقعات للأعوام اللاحقة خُفّضت. ويتوقع أن يصل التضخم إلى هدف بنك إنجلترا البالغ 2% فقط في عام 2027.
وختمت ريفز بواقعية قاسية خلال لقائها الصحفيين في مستشفى University College:
«هل هذه هي الميزانية التي رغبت في تقديمها؟ كنت أفضل لو كانت الظروف مختلفة. لكنني كوزيرة مالية لا أختار إرثي — بل أتعامل مع الواقع كما هو».






