موسكو (رياليست عربي). شهد قطاع التعدين والمعادن الروسي خلال مايو 2026 مفارقة لافتة؛ ففي الوقت الذي ارتفعت فيه أسعار الصلب العالمية إلى أعلى مستوياتها منذ أواخر عام 2024، واصل الطلب المحلي التراجع تحت ضغط تباطؤ الاقتصاد وارتفاع أسعار الفائدة والعقوبات الغربية، ما حدّ من استفادة الشركات الروسية من موجة الصعود العالمية.
وسجلت أسعار منتجات الصلب في السوق الروسية ارتفاعات متتالية خلال مايو، بينما أعلن المنتجون عن زيادات إضافية خلال يونيو وصلت في بعض القطاعات إلى 10%. إلا أن هذه الزيادة لم تكن مدفوعة بنمو الطلب، بل بنقص المعروض بعد أن خفضت الشركات إنتاجها خلال الربع الأول من العام استجابة لتراجع المبيعات ونقص السيولة.
وأدى انخفاض الإنتاج إلى استنزاف مخزونات التجار، الذين واجهوا صعوبة في إعادة ملء مستودعاتهم مع اقتراب موسم البناء الصيفي. ويرى محللون أن السوق دخلت مرحلة توازن هش قد تنتهي بتراجع الأسعار إذا قررت المصانع إعادة تشغيل طاقاتها الإنتاجية بالكامل.
وعلى الصعيد العالمي، ارتفعت أسعار الصلب المخصص للتصدير من روسيا بنحو 15% منذ بداية العام لتصل إلى نحو $510 للطن. لكن قوة الروبل حدّت من المكاسب، إذ لم تتجاوز الزيادة الفعلية بالعملة المحلية نحو 8%.
أما في السوق المحلية، فقد ارتفعت أسعار لفائف الصلب المدرفلة على الساخن بنسبة 3.5% فقط منذ بداية العام لتبلغ نحو ₽46 ألفاً للطن، وهو مستوى لا يزال أدنى من مستويات الربحية التي سجلتها الشركات في عام 2025.
وأظهرت النتائج المالية للشركات الكبرى استمرار الضغوط. فقد تراجعت الأرباح التشغيلية لشركتي «سيفرستال» و«ماغنيتوغورسك للحديد والصلب» بأكثر من النصف خلال الربع الأول مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، فيما تحولت التدفقات النقدية الحرة إلى المنطقة السلبية، ولم توصي الإدارات بتوزيع أرباح للمساهمين.
كما انخفض استهلاك الصلب داخل روسيا بنسبة تراوحت بين 12% و14% خلال الربع الأول، نتيجة تباطؤ قطاعي البناء والبنية التحتية وارتفاع تكلفة الاقتراض، ما أدى إلى تراجع الاستثمارات الصناعية والعقارية.
ورداً على هذه المعطيات، خفضت مؤسسات مالية روسية توقعاتها لأسهم شركات التعدين. فقد خفض «ألفا بنك» السعر المستهدف لسهم «سيفرستال» من ₽1015 إلى ₽890، ولسهم MMK من ₽35 إلى ₽28، ولسهم NLMK من ₽131 إلى ₽108، مع استمرار توصيات الحذر أو الاحتفاظ بالأسهم.
وفي المقابل، شكلت الصادرات أحد الجوانب الإيجابية القليلة للقطاع. فقد ارتفعت قيمة صادرات المعادن الروسية خلال الربع الأول بنسبة 34.7% لتصل إلى $19.2 مليار، رغم التراجع العام في الصادرات الروسية.
وسجلت صادرات النحاس إلى تركيا نمواً بلغ 2.4 مرة خلال مارس، بينما ارتفعت شحنات الحديد الخام إلى السوق التركية بنسبة 87% خلال الربع الأول، لتقترب حصة روسيا من 90% من واردات تركيا من هذه المادة.
لكن هذه المكاسب بدأت تواجه ضغوطاً جديدة مع نهاية مايو، بعدما تراجعت أسعار الصادرات الروسية من كتل الصلب إلى ما بين $485 و$488 للطن نتيجة ضعف الطلب التركي وزيادة المنافسة من المنتجين الصينيين.
وفي الوقت نفسه، واصلت العقوبات الغربية التوسع. فقد فرضت الولايات المتحدة خلال مايو قيوداً جديدة استهدفت شركات مرتبطة بمجموعتي «إيفراز» و«نورنيكل»، بينما يناقش الاتحاد الأوروبي حزمة عقوبات جديدة قد تشمل واردات النيكل وخام الحديد والنحاس ومنتجات الخردة المعدنية.
ورغم هذه التحديات، شهد القطاع بعض التطورات الإيجابية، من بينها توقيع شركة UPTK-65 عقد توريد جديد مع مصنع ماغنيتوغورسك للحديد والصلب، إضافة إلى انعقاد المؤتمر السنوي التاسع والعشرين لاتحاد موردي المنتجات المعدنية في موسكو.
ويجمع خبراء الصناعة على أن قطاع المعادن الروسي يواجه مرحلة صعبة من إعادة التوازن. فارتفاع الأسعار العالمية وفر فرصة مؤقتة لتحسين الإيرادات، إلا أن تراجع الطلب المحلي وقوة الروبل والعقوبات المستمرة تقلص قدرة الشركات على الاستفادة من هذه الظروف.
ويرى محللون أن الأشهر المقبلة قد تشهد استمرار حالة الركود النسبي والمنافسة الشديدة داخل القطاع، مع بقاء مستقبل الصناعة مرتبطاً بمسار الاقتصاد الروسي وأسواق التصدير العالمية والتطورات الجيوسياسية التي تؤثر على حركة التجارة الدولية.






