بروكسل — (رياليست عربي). أثار قرار شركة «أنثروبيك» الأمريكية تعليق الوصول إلى بعض نماذجها المتقدمة للذكاء الاصطناعي لغير المواطنين الأمريكيين موجة واسعة من ردود الفعل السياسية في أوروبا، حيث اعتبر مسؤولون وبرلمانيون أوروبيون الخطوة دليلاً جديداً على مخاطر الاعتماد التكنولوجي على الولايات المتحدة.
وأعلنت الشركة أنها تلقت توجيهاً من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يقضي بتعليق إتاحة نموذجي «Fable 5» و«Mythos 5» لدواعٍ تتعلق بالأمن القومي، ما اضطرها إلى وقف الخدمة بشكل فوري لضمان الامتثال للقرار.
وقالت الشركة إن الحكومة الأمريكية أبلغتها بوجود مخاوف مرتبطة بإمكانية تجاوز القيود الأمنية المفروضة على نموذج «Fable 5»، الأمر الذي دفع السلطات إلى اتخاذ إجراءات احترازية.
وأعاد القرار إلى الواجهة النقاش الأوروبي المتصاعد حول مفهوم «السيادة الرقمية» والحاجة إلى امتلاك بنية تحتية مستقلة للذكاء الاصطناعي بعيداً عن الاعتماد على الشركات الأمريكية.
ووصف السياسي الفرنسي والمرشح الرئاسي المحتمل برونو ريتايو القرار بأنه «جرس إنذار لأوروبا»، مؤكداً أن الدول التي تعتمد على تكنولوجيا يسيطر عليها الآخرون يمكن أن تجد نفسها «مفصولة عن هذه التقنيات بين ليلة وضحاها».
وأشار إلى أن فرنسا تمتلك مقومات تسمح لها ببناء منظومة ذكاء اصطناعي مستقلة، من بينها الطاقة النووية منخفضة الانبعاثات والكفاءات الهندسية والشركات التقنية المحلية مثل «ميسترال» و«أو في إتش كلاود» و«سكالاواي».
من جانبه، قال النائب البريطاني ووزير القوات المسلحة السابق آل كارنز إن الحادثة لا تتعلق بالذكاء الاصطناعي فحسب، بل تعكس واقعاً أوسع يتمثل في فقدان بريطانيا موقعها الريادي في عدد من الصناعات الاستراتيجية.
أما زعيم حزب الحرية الهولندي غيرت فيلدرز فدعا إلى تسريع تطوير نماذج ذكاء اصطناعي وطنية، معتبراً أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً أساسياً من مفهوم السيادة الوطنية.
وفي فرنسا، اعتبر الوزير المكلف بالشؤون الأوروبية بنجامين حداد أن قرار واشنطن يمثل تصعيداً جديداً في المنافسة الجيوسياسية العالمية حول الذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن أوروبا لا يمكنها الاكتفاء بدور السوق المستهلكة لتقنيات يتم تطويرها وتمويلها والتحكم فيها خارج القارة.
بدوره، قال وزير الأمن البريطاني السابق توم توغندهات إن التطورات الأخيرة تؤكد أن السيادة في القرن الحادي والعشرين أصبحت مرتبطة بالبرمجيات والقدرات الرقمية بقدر ارتباطها بالقوة العسكرية التقليدية.
كما رأى رئيس الوزراء الفرنسي السابق إدوار فيليب أن الذكاء الاصطناعي بات يشكل بنية تحتية استراتيجية لا تقل أهمية عن الكهرباء أو شبكة الإنترنت، محذراً من أن الاعتماد على نماذج لا تسيطر عليها الدول الأوروبية يجعلها عرضة لقرارات سياسية خارجية.
من جهته، دعا رئيس حزب «التجمع الوطني» الفرنسي جوردان بارديلا إلى زيادة الدعم الحكومي لشركة «ميسترال إيه آي» الفرنسية ومنظومة الذكاء الاصطناعي المحلية، معتبراً أن الدول التي لا تطور نماذجها الخاصة ستظل رهينة لقرارات القوى الكبرى.
ويأتي الجدل في وقت تتسابق فيه الحكومات حول العالم لتعزيز قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي، وسط تزايد المخاوف من تحول هذه التقنيات إلى أداة نفوذ جيوسياسي واقتصادي وأمني في العقود المقبلة.
ويرى مراقبون أن قرار «أنثروبيك» قد يسرع من جهود الاتحاد الأوروبي لتوسيع الاستثمارات في البنية التحتية الحاسوبية ومراكز البيانات وتطوير نماذج ذكاء اصطناعي أوروبية قادرة على المنافسة عالمياً، بما يقلل من الاعتماد على التكنولوجيا القادمة من الولايات المتحدة أو الصين.










