برلين — (رياليست عربي). أظهرت دراسة ألمانية جديدة حول الرأي العام أن ثقة الألمان بالولايات المتحدة كحليف داخل حلف شمال الأطلسي تراجعت بشكل حاد، في وقت ارتفع فيه دعم زيادة الإنفاق الدفاعي وتعزيز قدرات الجيش الألماني إلى أعلى مستوياته منذ نحو ثلاثة عقود.
الدراسة، التي أعدها الباحث في مركز التاريخ العسكري والعلوم الاجتماعية التابع للجيش الألماني تيمو غراف، حملت عنوان «ألمانيا في دور قيادي عسكري؟» واستندت إلى سلسلة استطلاعات سنوية متواصلة منذ عام 1996.
وقال غراف إن ألمانيا تشهد منذ عام 2022 ما وصفه بـ«التحول التاريخي الحقيقي» في طريقة نظر المجتمع إلى قضايا الدفاع والأمن، مشيرا إلى أن أكبر تغير في نتائج عام 2025 تمثل في الانخفاض الحاد بالثقة في الولايات المتحدة.
وبحسب الدراسة، تراجعت الثقة بواشنطن في بعض الأسئلة بنسبة وصلت إلى 28 نقطة مئوية، خاصة بعد عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وتصاعد الخلافات داخل الناتو والحرب مع إيران والتوترات المرتبطة بأوكرانيا.
في المقابل، ارتفع التأييد الشعبي لزيادة الإنفاق الدفاعي في ألمانيا إلى 65%، وهو أعلى مستوى يسجل منذ بدء الاستطلاعات قبل نحو 30 عاما.
وأوضح غراف أن التأييد لزيادة ميزانية الدفاع كان محدودا قبل الحرب الروسية الأوكرانية، لكنه قفز بشكل كبير بعد 2022، ثم تعزز مجددا بفعل ما سماه «تأثير ترامب».
ورغم التراجع الحاد في صورة الولايات المتحدة، أظهرت النتائج أن غالبية الألمان لا تزال ترى ضرورة استمرار الدور الأميركي في الدفاع عن أوروبا.
فحوالي 58% من المشاركين أكدوا أن واشنطن يجب أن تبقى منخرطة في أمن القارة الأوروبية، بينما أيد 46% استمرار نشر الأسلحة النووية الأميركية في ألمانيا كرادع ضد روسيا.
وترى الدراسة أن الألمان يتعاملون مع العلاقة مع الولايات المتحدة بواقعية وبراغماتية، إذ يدرك كثيرون أن أوروبا ما زالت تعتمد بشكل كبير على القدرات العسكرية الأميركية.
كما كشفت النتائج عن استمرار النظرة الإيجابية إلى الجيش الألماني «البوندسفير»، حيث أبدى أكثر من ثلاثة أرباع المشاركين موقفا إيجابيا تجاه المؤسسة العسكرية.
وقال غراف إن الصورة التقليدية التي تصف المجتمع الألماني بأنه «مسالم جذريا» ليست دقيقة، موضحا أن أغلبية الألمان تقبل استخدام القوة العسكرية ضمن إطار الدفاع والأمن الجماعي، لكنها تتعامل مع الحرب بحذر بسبب الإرث التاريخي للبلاد.
وأضاف أن نسبة «المسالمين المطلقين» الذين يرفضون استخدام القوة العسكرية بشكل كامل لا تتجاوز 20%، بينما لا تزيد نسبة «العسكريين المتشددين» عن 6%.
وأظهرت الدراسة أن الحرب الروسية في أوكرانيا غيرت بشكل واضح استعداد الألمان لدعم الدور العسكري لبلادهم، خاصة في مجالات الدفاع الإقليمي وحماية حدود الناتو الشرقية.
فقد اعتبر 65% من المشاركين أن روسيا تمثل تهديدا عسكريا مباشرا لألمانيا، بينما أيد نحو نصف المستطلعين تقديم دعم عسكري لدول البلطيق في مواجهة موسكو.
كما حظيت مهمة «الحراسة البلطيقية» التابعة للناتو في بحر البلطيق بأعلى نسبة تأييد بلغت 66%.
وأشار غراف إلى أن الشباب الألمان يميلون إلى التحفظ أكثر تجاه قضايا الدفاع مقارنة بالأجيال الأكبر سنا، لكن الفوارق بقيت محدودة نسبيا ولم تتحول إلى انقسام مجتمعي حاد.
وأرجع ذلك إلى أن الأجيال الشابة نشأت بعد تعليق الخدمة العسكرية الإلزامية عام 2011، وفي فترة تراجع فيها حضور الجيش في الحياة اليومية الألمانية.
سياسيا، أظهرت الدراسة أن دعم تعزيز الدفاع لم يعد محصورا بالأحزاب المحافظة، إذ أيدت أغلبية ناخبي معظم الأحزاب — بما فيها اليسار والخضر — زيادة الإنفاق العسكري وتقوية الجيش.
ويرى معدو الدراسة أن تصاعد الهجمات السيبرانية وحملات التضليل والتخريب، إلى جانب تراجع الثقة بالمظلة الأمنية الأميركية، يدفع المجتمع الألماني تدريجيا نحو قبول دور عسكري أكبر لألمانيا داخل أوروبا.
وتعكس النتائج تحولا تاريخيا في المزاج السياسي الألماني، حيث انتقلت النقاشات من التركيز على تقليص دور الجيش بعد الحرب الباردة إلى الحديث عن إعادة التسلح والقيادة الأمنية الأوروبية في مواجهة روسيا وعدم اليقين بشأن مستقبل التحالف مع واشنطن.






