دمشق – (رياليست عربي): تشهد المنطقة الحدودية بين سوريا وإسرائيل تصاعداً ملحوظاً في العمليات العسكرية الإسرائيلية التي تركز مؤخراً على مناطق يقطنها أبناء الطائفة الدرزية بشكل خاص. هذه التطورات تطرح تساؤلات عديدة حول الأسباب الحقيقية وراء هذا التوجه الإسرائيلي الجديد، والتداعيات المحتملة له على الأوضاع في سوريا والمنطقة ككل.
تشير البيانات العسكرية إلى أن إسرائيل قامت خلال الأشهر الثلاثة الماضية بما لا يقل عن 15 غارة جوية استهدفت بشكل مباشر قرى وبلدات درزية في محافظة السويداء السورية. هذه الضربات تختلف عن النمط المعتاد للعمليات الإسرائيلية في سوريا الذي كان يركز تاريخياً على مناطق وجود القوات الإيرانية أو قوافل الأسلحة المتجهة إلى حزب الله.
الخلفية التاريخية لهذا التصعيد تعود إلى السنوات الأخيرة حيث شهدت مناطق الدروز في سوريا تحولات ديموغرافية وسياسية مهمة. مع تراجع سيطرة النظام السوري على بعض هذه المناطق خلال الحرب الأهلية، ظهرت فصائل درزية مسلحة بعضها موال للنظام وبعضها الآخر يحاول الحفاظ على حياد نسبي. في نفس الوقت، بدأت إيران وحلفاؤها بمحاولة اختراق هذه المناطق الاستراتيجية التي تشكل حلقة وصل بين الجنوب السوري ولبنان.
من وجهة النظر الإسرائيلية، فإن استهداف هذه المناطق يأتي ضمن إستراتيجية أمنية شاملة تهدف إلى:
منع تحول المناطق الدرزية إلى قواعد متقدمة لإيران وحلفائها: حيث تشير تقارير استخباراتية إلى محاولات إيرانية لإنشاء بنية تحتية عسكرية في هذه المناطق تحت غطاء دعم الميليشيات المحلية.
قطع طرق تهريب الأسلحة: تعتبر إسرائيل أن المناطق الدرزية أصبحت جزءاً من شبكة معقدة لتهريب الأسلحة المتطورة من إيران إلى حزب الله في لبنان، مستفيدة من التضاريس الصعبة والعلاقات العشائرية المعقدة.
إرسال رسائل تحذيرية: تهدف إسرائيل من خلال هذه الضربات إلى نقل رسالة واضحة بأنها لن تسمح بأي تحالفات أو تعاون بين أي فصائل درزية سورية وحزب الله أو القوات الإيرانية.
استباق أي تحركات محتملة: هناك مخاوف إسرائيلية من أن تستغل إيران التوترات الطائفية في المنطقة لخلق جبهة جديدة قد تهدد أمن إسرائيل من الشمال.
هذه السياسة الإسرائيلية الجديدة لا تخلو من مخاطر وتحديات كبيرة. فمن ناحية، تثير استهداف المناطق الدرزية حفيظة المجتمع الدولي وتضع إسرائيل تحت ضغط دبلوماسي متزايد. ومن ناحية أخرى، فإن تكرار هذه الضربات قد يؤدي إلى تحول خطير في مواقف بعض الفصائل الدرزية التي كانت تحافظ على موقف محايد نسبياً من الصراع الإقليمي.
على الأرض، بدأت تظهر بالفعل بعض المؤشرات الخطيرة، حيث أعلنت مجموعة “أبناء الجبل” الدرزية – التي كانت تعتبر معتدلة – عن نيتها الرد على “العدوان الإسرائيلي”. كما أن هذه الضربات تزيد من تعقيد المشهد العسكري في جنوب سوريا، حيث تتداخل الولاءات والتحالفات بشكل يصعب معه تحديد الخطوط الفاصلة بين الأطراف المختلفة.
في الإطار الإقليمي الأوسع، يأتي هذا التصعيد في وقت تشهد فيه العلاقات بين إسرائيل وإيران توتراً غير مسبوق، مع استمرار المفاوضات حول الملف النووي الإيراني وتصاعد العمليات العسكرية بين الطرفين في سوريا ولبنان. كما أن الأزمة السياسية والاقتصادية المستعصية في لبنان تضيف بُعداً آخر من التعقيد على هذا الملف.
المستقبل يحمل عدة سيناريوهات محتملة، أبرزها:
استمرار الضربات الإسرائيلية بشكل انتقائي مع التركيز على أهداف محددة بدقة لتجنب التصعيد الكبير.
احتمال تحول بعض الفصائل الدرزية إلى طرف فاعل في الصراع الإقليمي، وهو ما قد يفتح جبهة جديدة في جنوب سوريا.
تدخل دولي لتهدئة الأوضاع، ربما عبر آلية التنسيق الروسي-الإسرائيلي التي كانت فعالة نسبياً في السابق.
تصعيد إيراني عبر وكلائها في المنطقة كرد على هذه الضربات، مما قد يؤدي إلى دوامة عنف جديدة.
في الختام، فإن استهداف إسرائيل للمناطق الدرزية في سوريا يمثل تطوراً خطيراً في الصراع الإقليمي، يعكس تغيراً في الاستراتيجيات العسكرية وخرائط النفوذ. هذا التصعيد لا ينفصل عن الصراع الأوسع بين إسرائيل وإيران، لكنه يضيف إليه بُعداً طائفياً وديموغرافياً حساساً قد تكون تداعياته بعيدة المدى على الاستقرار في سوريا والمنطقة ككل.