موسكو – (رياليست عربي): كانت ومازالت قضايا الشراكة والتكامل بين الدول من أهم المواضيع التي تناولها الباحثون في دراساتهم؛ ومبررات ذلك كثيرة، أهمها على الإطلاق هو تنوع الموارد وتفاوتها الكمي. و بالرغم من أن تنوع الموارد هو شرط ضروري في أي تكامل إلا أن النزوع للتكامل يرتبط أيضاً بالظروف السياسية التي تعيشها الدولة.
لقد أرخت الأحداث الدائرة في أوكرانيا ظلالها على العالم كله وأدت إلى انقسامات عميقة بين دوله، ومن المؤكد أن روسيا ستقود المعركة على جميع الأصعدة حتى تحقيق النصر، والمعركة الاقتصادية لا تقل أهمية عن القتال في الميدان؛ لذلك لا عجب في أن يكون موضوع الشراكة في الفضاء الأوراسي الكبير وحوار الأعمال بين الاتحاد الاقتصادي الأوراسي و رابطة آسيان من أهم الحلقات البحثية التي دارت في ثاني أيام منتدى سان بطرسبورغ الاقتصادي الدولي، الذي امتدت أعماله على أربعة أيام بين 15-18 يونيو/ حزيران.
في الحقيقة، عندما يجري الحديث عن التكامل في الفضاء الأوراسي الكبير فهذا يعني ثلاث تكتلات اقتصادية-سياسية هامة؛ وهي: منظمة شنغهاي للتعاون، رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، والاتحاد الاقتصادي الأوراسي. وهكذا، سيضم هذا الفضاء الجديد 21 دولة، وهي: بيلاروسيا، روسيا، أرمينيا، كازاخستان، أوزبكستان، قيرقيزستان، طاجكستان، إيران، باكستان، الهند، الصين، بورما، تايلاند، اللاوس، فيتنام، الفيلبين، كمبوديا، ماليزيا، سنغافورة، أندونيسيا، بروناي.
في الواقع، طرح الرئيس بوتين موضوع الفضاء الأوراسي الكبير في حزيران من عام 2016، في منتدى سان بطرسبرغ أيضاً، ولقد لقيت هذه المبادرة ترحيباً كبيراً من معظم الدول المنضوية ضمن هذا الفضاء، وخاصة من الصين، التي كانت قد طرحت مبادرة الحزام والطريق في عام 2013 خلال الخطاب الشهير للرئيس شي جين بينغ في جامعة نازاربييف في كازاخستان. فهذان المشروعان يكملان بعضهما البعض وسيؤديان إلى إزالة جميع الحواجز وتسهيل التعاون الاقتصادي ضمن هذا الفضاء؛ وإلى هذه النقطة أشار أيضاً الرئيس الكازاخستاني، قاسم جومارت توكاييف، في خطابه في الجلسة الرئيسية للمنتدى.
علاوة على ذلك، تتمتع دول هذا الفضاء بمؤهلات اقتصادية كثيرة تجعلها قادرة على المبادرة والمنافسة في العديد من المجالات؛ وهذا الرأي تدعمه العديد من الحقائق:
– يشكل أعضاء منظمة شنغهاي التسعة حوالي 42% من سكان العالم.
-40% من الأراضي الروسية و20% من الأراضي الصينية هي أراضٍ عذراء.
-33% من غابات العالم تتركز في هذا الفضاء، و 25% في روسيا والصين.
-تختزن أراضي روسيا جميع عناصر الجدول الدوري، كما أنها الأولى من حيث احتياطات النفط والغاز والمنتجات الزراعية.
-تشكل الهند مصدراً هاماً لتكنولوجيا المعلومات.
-تعتبر سنغافورة وماليزيا من الدول المتقدمة في التقنيات الحيوية وأبحاث الخلايا الجزعية.
-تحتل الصين موقعاً إنتاجياً وديموغرافياً متقدماً ومتطوراً.
-تملك كازاخستان العديد من الثروات الطبيعية الهامة كالنفط والغاز واليورانيوم والكروم والرصاص والزنك والمنغنيز والنحاس والحديد والذهب والماس.
في الواقع، في السنوات السابقة تم تنفيذ الكثير من المشاريع المشتركة بين الاتحاد الاقتصادي الأوراسي ورابطة آسيان في العديد المجالات؛ كالتنمية المستدامة، البيئة والمناخ، الطاقة والصناعة والنقل، التحول الرقمي في الاقتصاد، الاقتصاد الدائري … وغيرها. كما أنه تم إعلان سنة 2022 سنة التعاون العلمي-الفني بين روسيا ورابطة آسيان، وجرى اقتراح عدة حلول مؤسساتية لتعزيز هذا التعاون في الحلقات البحثية آنفة الذكر.
من ناحية أخرى، تم إقرار برامج النشاطات المشتركة بين دول التكتلات الثلاثة المذكورة أعلاه حتى عام 2025، كما أنه تم اقتراح إجراء المشاورات المكثفة بين دول الفضاء الأوراسي الكبير بهدف إيجاد مقاربات جديدة للتعاون و البحث عن حلول لأهم مشاكل المنطقة في المجالات الاقتصادية-المالية، الاستثمار، الطاقة، النقل وغيرها.
من نافلة القول، تدرك جيداً جميع دول الفضاء الأوراسي أن زعزعة استقرار أي دولة من دوله ستؤثر على أمن الدول الأخرى؛ لذلك فإننا نعتقد أن عمليات التكامل الاقتصادي والسياسي والأمني ستتسارع ضمن هذا الفضاء، خاصةً في الظروف الراهنة؛ فآفاق التعاون والشراكة كثيرة جداً، كما أن عمليات الاندماج الاقتصادي سهلة نظراً لتنوع الموارد والتقارب الجغرافي والربط الطرقي الذي تسعى إليه الصين.
ختاماً، لقد شكل منتدى سان بطرسبرغ لهذا العام منصة هامة للحوار بين رجال الأعمال والسياسية في هذا الفضاء، لذلك فهو دفعة كبيرة على طريق تعزيز التعاون بين دوله!
خاص وكالة رياليست – د. آصف ملحم – باحث وكاتب – موسكو.