يكاترينبورغ — (رياليست عربي). يتوسع استخدام الذكاء الاصطناعي بسرعة في القطاع الطبي، مع انتقال الأنظمة الصحية تدريجيا من التركيز على علاج الأمراض إلى التنبؤ بها والوقاية منها قبل ظهور الأعراض، في تحول يعتبره خبراء أحد أكبر التغييرات في تاريخ الطب الحديث
وخلال محاضرة بعنوان «شفرة الصحة: كيف يعيد الذكاء الاصطناعي كتابة الطب» في «مركز يلتسين» بمدينة يكاترينبورغ الروسية، قالت الباحثة في جامعة «إيتمو» الروسية آنا أندرييتشينكو إن الذكاء الاصطناعي أصبح اليوم جزءا أساسيا من التشخيص الطبي وتطوير الأدوية ودعم قرارات الأطباء.
وأوضحت أندرييتشينكو، وهي رئيسة مختبر «التقنيات الرقمية في الصحة العامة» بجامعة إيتمو، أن الأنظمة الذكية تعتمد بالكامل على جودة البيانات الطبية التي تُدرَّب عليها.
وقالت: «يبدو لنا أحيانا أن الحاسوب يبتكر شيئا جديدا، لكنه في الحقيقة يعتمد على الإحصاء وتحليل الأنماط داخل البيانات».
وأضافت أن أفضل نتائج الذكاء الاصطناعي في الطب تتحقق في المجالات التي تتوفر فيها بيانات رقمية منظمة ومتكررة، ويمكن التحقق من نتائجها بسهولة، مع بقاء الإشراف البشري ضروريا.
ولهذا السبب أصبحت الأشعة الطبية المجال الأكثر نجاحا لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، حيث تمثل تطبيقات الأشعة نحو 75% من الأنظمة الطبية الذكية التي حصلت على تراخيص رسمية.
وتستخدم هذه الأنظمة في فرز صور الأشعة، واكتشاف الحالات العاجلة، واستبعاد الصور التي لا تحتوي على أمراض، ما يخفف العبء عن الأطباء ويحسن سرعة التشخيص.
لكن الباحثة شددت على أن الذكاء الاصطناعي «لا يرى الصورة كما يراها الإنسان»، بل يبحث فقط عن أنماط إحصائية داخل البيانات التي تدرب عليها.
وحذرت من أن تغير الأجهزة الطبية أو اختلاف خصائص المرضى قد يؤدي إلى أخطاء غير ملحوظة في أداء الخوارزميات.
وأكدت أن الطبيب يبقى صاحب القرار النهائي والمسؤولية القانونية والأخلاقية.
وفي الوقت نفسه، يفتح الذكاء الاصطناعي آفاقا جديدة في التشخيص المبكر للأمراض.
وأشارت أندرييتشينكو إلى أن صور قاع العين، التي تستخدم عادة في طب العيون، أظهرت قدرة الخوارزميات على اكتشاف مؤشرات مرتبطة بأمراض عصبية وأمراض القلب والأوعية الدموية وحتى اضطرابات الدماغ.
وقالت: «الآلة تنظر بطريقة مختلفة. الطبيب لا يستطيع رؤية هذه العلاقات لأن بعضها موجود فقط داخل البيانات الرقمية».
كما استشهدت بدراسة كورية جنوبية شملت أكثر من نصف مليون شخص، أظهرت أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادرا على تقدير العمر البيولوجي للإنسان من خلال صورة أشعة عادية للصدر، ثم مقارنة ذلك بالعمر الحقيقي لتقييم مخاطر الشيخوخة والأمراض المستقبلية.
وترى الباحثة أن الطب يتجه نحو التعامل مع الجسم كوحدة متكاملة بدلا من معالجة الأعضاء بشكل منفصل.
وأشارت إلى أن أمراض القلب والسرطان والأمراض العصبية قد تبدأ بالتطور داخل الجسم قبل ظهور أعراضها بعشرين عاما، بحسب تقديرات عالم القلب الأميركي إريك توبول.
ويعني ذلك أن مستقبل الطب قد يعتمد على المراقبة المستمرة للبيانات الصحية بدلا من انتظار ظهور المرض.
وفي هذا السياق، تلعب الأجهزة القابلة للارتداء مثل الساعات الذكية وأجهزة الاستشعار دورا متزايدا في جمع البيانات الصحية بشكل دائم.
وقالت أندرييتشينكو إن الذكاء الاصطناعي وحده قادر على تحليل هذا الكم الهائل من البيانات وتحويله إلى توصيات شخصية لكل مريض.
لكنها حذرت أيضا من مخاطر انتهاك الخصوصية وتحول الرعاية الصحية إلى أداة مراقبة دائمة.
وأضافت أن بيانات الصحة قد تستخدم مستقبلا في قرارات تتعلق بالقروض البنكية أو التوظيف أو التأمين، ما يثير تساؤلات أخلاقية متزايدة حول حدود استخدام البيانات الشخصية.
وأكدت أن العديد من الحكومات باتت تنظر إلى البيانات الصحية باعتبارها «موردا استراتيجيا».
وفي ختام المحاضرة، شددت الباحثة الروسية على أن الذكاء الاصطناعي لن يحل محل الأطباء، بل سيغير طبيعة دورهم.
وقالت: «الطبيب لن يختفي، لكنه سيتحول من مجرد منفذ للبروتوكولات إلى شخص يفسر نتائج الخوارزميات ويتحمل المسؤولية ويشرح للمريض ما يحدث».
وأضافت: «التعاطف والشرح وتحمل المسؤولية لا تزال أمورا لا يستطيع الذكاء الاصطناعي القيام بها. هذه تبقى من مهام الإنسان».






