موسكو (رياليست عربي). قال المحلل السياسي إيليا غراشينكوف إن النموذج التقليدي لانتقال السلطة في روسيا لم يعد قابلاً للتطبيق، مشيرًا إلى أن البلاد تقترب من مرحلة تحول نظامي أوسع، حيث لم يعد السؤال الرئيسي يتعلق بمن سيخلف الرئيس فلاديمير بوتين، بل بكيفية تطور النظام السياسي نفسه.
وأوضح غراشينكوف، مدير مركز تطوير السياسات الإقليمية، في مقابلة مع وكالة «رياليست» أن «نقل السلطة بالمعنى السابق لم يعد ممكنًا عمليًا»، معتبرًا أن روسيا تدخل مرحلة قد تشهد إما ظهور نموذج سياسي جديد أو إعادة تشكيل النظام الحالي ضمن الأطر الدستورية.
تراجع نموذج الخلافة المُدارة
يرى المحلل أن التوقعات السابقة بانتقال منظم للسلطة عبر تعيين خليفة يحافظ على النظام القائم تراجعت بشكل ملحوظ. وربط هذا التحول بتغيرات هيكلية في الاقتصاد وتوازن النخب بعد الحرب في أوكرانيا، التي أضعفت النموذج السابق القائم على عائدات النفط المرتفعة والتكامل مع الأسواق الغربية.
وأشار إلى أن عدة مجموعات داخل النخبة فقدت نفوذها في السنوات الأخيرة، بما في ذلك أجزاء من الطبقة الأوليغارشية التقليدية وشبكات مرتبطة بيفغيني بريغوجين. كما لفت إلى تحديات داخل الدائرة المرتبطة بوزير الدفاع السابق سيرغي شويغو، الذي تراجعت مكانته بعد تغييرات في القيادات وقضايا قانونية طالت بعض أفراد فريقه السابق.
تنافس بين نماذج سياسية
بحسب غراشينكوف، يتسم المشهد السياسي الروسي حاليًا بتنافس بين رؤى أيديولوجية مختلفة. فبعض التيارات تدعو إلى نماذج حكم أكثر محافظة أو حتى ذات طابع إمبراطوري، بينما يفضل آخرون العودة إلى مبادئ دستورية أكثر مؤسسية كقاعدة لإعادة تنظيم الدولة.
وفي هذا السياق، يتحول النفوذ نحو فاعلين يجمعون بين امتلاك الموارد — المالية والإعلامية والأمنية — والقدرة على طرح رؤية للمستقبل السياسي.
نخب جديدة ودور متزايد للأقاليم
وصف غراشينكوف مجموعة الشخصيات المحتملة في مرحلة ما بعد بوتين بأنها واسعة نسبيًا لكنها متشابهة من حيث البنية، وتشمل إداريين تقنيين وشخصيات سياسية من المستوى المتوسط وممثلين عن النخب الإقليمية والأمنية. ورجّح أن يزداد دور حكام الأقاليم على المستوى الفيدرالي، حتى لو لم يتحولوا مباشرة إلى مرشحين لخلافة الرئاسة.
سياق التحولات داخل السلطة
تأتي هذه التقييمات في ظل تغييرات داخل بنية السلطة الروسية. فبعد وفاة بريغوجين في 2023، تراجع نفوذ الشبكات المرتبطة بمجموعة «فاغنر». كما واجه عدد من المسؤولين العسكريين السابقين، بينهم رسلان تساليكوف ودميتري بولغاكوف وبافل بوبوف وتيمور إيفانوف، إجراءات قانونية، حيث حُكم على إيفانوف بالسجن 13 عامًا في قضايا فساد.
أما شويغو، الذي غادر منصبه كوزير للدفاع في 2024 ليتولى منصب سكرتير مجلس الأمن، فقد حافظ على حضوره العام، لكن شبكته السابقة خضعت لإعادة تشكيل واضحة.
تشير هذه التطورات إلى انتقال تدريجي من نظام قائم على مركزية شخصية إلى هيكل أكثر تشتتًا وتنافسًا بين النخب، حيث قد يتم استبدال فكرة «الخلافة» بنماذج مؤسسية أو هجينة لإدارة السلطة.
ويبقى السؤال الرئيسي ما إذا كان هذا التحول سيؤدي إلى نظام أكثر استقرارًا ومأسسة، أم إلى مرحلة طويلة من التنافس بين النخب مع نتائج غير متوقعة على مستوى الحكم واستمرارية السياسات.






