لندن — (رياليست عربي). أمضى وزراء بريطانيون أشهراً في تهيئة الأرضية الدبلوماسية والسياسية للقاء المرتقب هذا الأسبوع في بكين بين رئيس الوزراء كير ستارمر والرئيس الصيني شي جين بينغ، في خطوة تعكس توجهاً متعمداً لإعادة ضبط العلاقات الاقتصادية مع الصين بعد سنوات من التدهور.
وبحسب سلسلة من الخطابات الخاصة التي ألقاها مسؤولون بارزون من حزب العمال في بريطانيا والصين، وحصلت عليها منصة «بوليتيكو»، سعت الحكومة إلى طمأنة مسؤولين وأكاديميين ورجال أعمال في البلدين بأن استعادة روابط التجارة والاستثمار تمثل أولوية استراتيجية، رغم تصاعد التحذيرات المرتبطة بالأمن الاقتصادي ومخاطر الإكراه السياسي.
وشهدت العلاقات البريطانية–الصينية برودة حادة في أواخر العقد الماضي، بعد فترة «العصر الذهبي» القصيرة في عهد رئيس الوزراء المحافظ السابق ديفيد كاميرون. وتفاقمت الخلافات عقب تشديد بكين قبضتها على هونغ كونغ، وتعليق محادثات التجارة في عهد بوريس جونسون، وقرار لندن استبعاد شركة هواوي من البنية التحتية للاتصالات تحت ضغط من الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
ومنذ وصول حزب العمال إلى السلطة، تحركت حكومة ستارمر لإحياء العلاقة. وتُظهر خطابات أُلقيت خلال العام الماضي من وزيرة الخزانة رايتشل ريفز، ووزير الخارجية ديفيد لامي، ووزير الطاقة إد ميليباند، ومسؤولين آخرين، جهداً منسقاً لتقديم الصين باعتبارها فرصة اقتصادية — حتى قبل استكمال الحكومة مراجعة أمنية لتعرّض المملكة المتحدة للتدخل الصيني، والتي أُنجزت الصيف الماضي.
وأثار هذا النهج مخاوف داخل البرلمان. إذ قال ليام بايرن، رئيس لجنة الأعمال والتجارة في مجلس العموم، إن النواب «غير مقتنعين» بأن استراتيجية الاستثمار الناشئة مع الصين متينة بما يكفي لتحمّل مخاطر الإكراه مستقبلاً. وحذّر من أنه في ظل إعادة تشكيل التجارة العالمية بفعل الرسوم الأميركية، قد تعيد الصين توجيه صادرات مدعومة نحو السوق البريطانية، ما يهدد قطاعات رئيسية مثل الطاقة.
من جانبها، أكدت الحكومة البريطانية أن سياستها تجاه الصين ستكون «قائمة على القوة والوضوح والواقعية المتزنة»، مضيفة أن لندن «ستتعاون حيثما أمكن، وتتصدى حيثما يجب»، من دون المساس بالأمن القومي.
وبدأت إعادة الضبط عملياً في سبتمبر 2024 خلال حفل رسمي رفيع المستوى في لندن بمناسبة الذكرى الخامسة والسبعين لتأسيس جمهورية الصين الشعبية. وفي المناسبة، أشادت وزيرة شؤون المحيطين الهندي والهادئ آنذاك كاثرين ويست بالصعود الاقتصادي للصين، وتحدثت عن فوائد تعميق الروابط التجارية، رغم أن أجزاء من نص خطابها حُجبت لاحقاً بموجب قوانين حرية المعلومات.
وبعد توليه منصب وزير الخارجية، قام لامي بزيارة استمرت يومين إلى بكين وشنغهاي، التقى خلالها نظيره الصيني وانغ يي، ودفع باتجاه تعاون أوثق في مجالات التجارة والمناخ والطاقة النظيفة، مع التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة حماية المصالح الأمنية البريطانية. واستشهد بدور الصين بوصفها أكبر باعث للكربون عالمياً وأكبر منتج للطاقة المتجددة لتبرير الانخراط طويل الأمد.
وسار وزراء آخرون في الاتجاه ذاته. فقد دعت وزيرة الاستثمار بوبي غوستافسون إلى زيادة الاستثمارات الصينية في قطاعي التمويل والطاقة النظيفة في بريطانيا. ولاحقاً، سافرت ريفز إلى بكين لإعادة إطلاق «الحوار الاقتصادي والمالي البريطاني–الصيني»، المجمّد منذ عام 2019، بمشاركة شخصيات بارزة من «مدينة لندن». وأسفرت محادثات لاحقة عن إحياء لجان الطاقة والتجارة، مع التعهد بتحقيق مكاسب تجارية محتملة بمئات ملايين الجنيهات الإسترلينية، وفق أرقام حكومية.
واختتم ميليباند هذا الزخم الدبلوماسي بزيارة إلى بكين لحضور أول حوار ثنائي للطاقة منذ خمس سنوات، معتبراً أن طموحات بريطانيا في مجال الطاقة النظيفة تتطلب تعاوناً أعمق مع الصين، رغم الإقرار باستمرار الخلافات حول حقوق الإنسان وسلاسل التوريد.
وتعكس هذه التحركات حجم الرهان الذي يقدِم عليه ستارمر: إحياء علاقة اقتصادية حيوية مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم، مع محاولة تجنب المطبات السياسية والأمنية التي أسقطت محاولات حكومات بريطانية سابقة. وسيُختبر هذا المسار مع تصاعد التوترات الجيوسياسية والشكوك الداخلية، بالتزامن مع استعداد ستارمر للقاء شي جين بينغ وجهاً لوجه.





