هانوي — (رياليست عربي). أكد الحزب الشيوعي الحاكم في فيتنام إعادة انتخاب تو لام أميناً عاماً لولاية جديدة مدتها خمس سنوات، في خطوة تعكس أعلى تركّز للسلطة في يد قائد واحد منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وتؤسس لمرحلة إعادة صياغة طموحة — ومحفوفة بالمخاطر — للنموذج الاقتصادي في البلاد.
القرار اتُّخذ يوم الجمعة خلال المؤتمر الوطني الرابع عشر للحزب الشيوعي الفيتنامي، الذي جمع نحو 1600 مندوب لرسم المسار السياسي والاقتصادي حتى عام 2031. وكان من المقرر أن يستمر المؤتمر حتى الأحد، إلا أنه اختُتم مبكراً، في خطوة فسّرها محللون إما بوجود إجماع داخلي قوي أو بضعف المعارضة داخل الحزب إزاء توسّع نفوذ تو لام.
وتولى تو لام منصبه قبل 18 شهراً عقب وفاة سلفه نغوين فو ترونغ، مستغلاً المؤتمر للترويج لما وصفه ببداية «عصر النهوض الوطني». ورغم أن إعادة تعيينه كانت متوقعة، فإن حجم هيمنته على مفاصل الحزب لفت أنظار المراقبين.
وقال إدموند ماليسكي، أستاذ الاقتصاد السياسي في جامعة ديوك، في تصريحات لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، إن «هذا هو أقوى تركّز للسلطة في يد فرد واحد منذ عام 1991»، مشيراً إلى تنامي نفوذ جناح الأمن العام الذي ينتمي إليه تو لام على حساب المؤسسة العسكرية داخل هرم الحزب.
وبعد أن ورث السلطة من نغوين فو ترونغ، المعروف بتوجهه العقائدي الصارم وحملته الواسعة لمكافحة الفساد، اتجه تو لام بوضوح نحو أولوية الإصلاح الاقتصادي والنمو. وتشمل أجندته إعادة هيكلة شاملة للدولة، من بينها تقليص مستويات البيروقراطية، وخفض عدد الأقاليم من 63 إلى 34، وتسريح ما لا يقل عن 100 ألف موظف حكومي.
ويُعد القرار رقم 68، الذي أقرّه المكتب السياسي في مايو من العام الماضي، حجر الزاوية في هذه الاستراتيجية، إذ وصف القطاع الخاص بأنه «القوة الدافعة الأهم للاقتصاد الوطني». وعلى الرغم من أن التغيير في الصياغة يبدو محدوداً، فإنه مثّل قطيعة تاريخية في فيتنام الاشتراكية عبر وضع الشركات الخاصة على قدم المساواة مع المؤسسات المملوكة للدولة، التي طالما اعتُبرت عماد النظام.
كما أقرّ الحزب أهدافاً طموحة للغاية، من بينها تحقيق نمو سنوي من خانتين، ومضاعفة عدد الشركات الخاصة بحلول عام 2030، وبناء اقتصاد قائم على التكنولوجيا وذو دخل مرتفع بحلول عام 2045، الذكرى المئوية للاستقلال، بما يسمح بتجاوز ما يُعرف بـ«فخ الدخل المتوسط».
ولتحقيق ذلك، يراهن تو لام على ما يسميه «الرافعات القائدة» — أي شركات وطنية خاصة كبرى قادرة على المنافسة عالمياً، مستوحاة من نموذج التكتلات الصناعية الكورية الجنوبية في سبعينيات القرن الماضي. ورغم ذلك، لا تزال الشركات المملوكة للدولة تسهم بنحو 29% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تبقى غالبية الشركات الخاصة صغيرة الحجم، ما يحد من الإنتاجية والابتكار.
غير أن هذا التوجه كشف أيضاً عن توترات داخلية. فقد أعاد القرار رقم 79، الذي أُقر في وقت سابق من هذا الشهر، التأكيد على أن الشركات المملوكة للدولة يمكن أن تؤدي بدورها دور «الرافعات القائدة»، في إشارة إلى مقاومة من تيارات محافظة تخشى تراجع الدور الاقتصادي للدولة.
وتبقى التحديات البنيوية أوسع من ذلك. فقد حقق نموذج التصنيع القائم على التصدير خفضاً سريعاً لمعدلات الفقر ودمجاً قوياً في الاقتصاد العالمي، إلا أن أجزاء كبيرة من سلسلة القيمة — مثل التكنولوجيا والتصميم والمكونات — لا تزال تحت سيطرة أجنبية. كما تواجه فيتنام درجة عالية من التعرض للصدمات الخارجية، ولا سيما احتمال فرض قيود تجارية من الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب.
ويحذّر محللون من أن دعم تكتلات خاصة مرتبطة سياسياً قد يؤدي إلى استبدال الاحتكارات الحكومية غير الكفؤة بنخب اقتصادية تسعى للريع. وقال نغوين خاك جيانغ من معهد «إيسيس — يوسف إسحاق»: «التحدي الأساسي لم يتغير: كيف يمكن بناء شركات قادرة على المنافسة عالمياً من دون خلق طبقة من المنتفعين المرتبطين بالسلطة».
ومع بدء تو لام ولايته الثانية الكاملة، يُتوقع أن تواجه «دبلوماسية الخيزران» الفيتنامية — القائمة على المرونة وعدم الانحياز والتركيز على التجارة — اختبارها الأصعب حتى الآن في ظل اقتصاد عالمي أكثر انقساماً. وما إذا كان تركّز السلطة سيفتح الطريق أمام إصلاحات حقيقية أم سيعيد إنتاج القيود القديمة، سيحدد مسار فيتنام لعقود مقبلة.






