أنقرة (رياليست عربي). دفعت الحرب المستمرة بين الولايات المتحدة وإيران تركيا إلى موقع أكثر أهمية على الساحة الإقليمية، حيث نجحت أنقرة في تقديم نفسها كوسيط دبلوماسي ومركز اقتصادي ولوجستي رئيسي بين آسيا وأوروبا، مستفيدة من حالة عدم الاستقرار التي تشهدها المنطقة.
وخلال الأسابيع الأخيرة، كثف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اتصالاته مع الأطراف المعنية بالأزمة، مؤكداً دعم بلاده للمفاوضات الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار والتوصل إلى تسوية سياسية بين واشنطن وطهران.
ويرى محللون أن السياسة التركية القائمة على المرونة الاستراتيجية وعدم الانحياز الكامل لأي محور دولي منحت أنقرة هامشاً واسعاً للمناورة خلال الأزمة الحالية. فتركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، حافظت في الوقت ذاته على علاقات سياسية واقتصادية مع روسيا وإيران والصين، ما سمح لها بالتحرك بين مختلف الأطراف المتنافسة.
وقال كاميرون جونسون، الشريك الأول في شركة «تايدال ويف سولوشنز» للاستشارات اللوجستية، إن الغموض الاستراتيجي الذي تنتهجه تركيا تحول إلى ميزة مهمة خلال الأزمة، موضحاً أن البلاد أصبحت محطة بديلة للعديد من مسارات التجارة والطاقة والنقل التي تأثرت بالحرب.
وأضاف أن تركيا تمتلك بالفعل قاعدة صناعية متطورة نسبياً وقوة عاملة مؤهلة وتكاليف إنتاج تنافسية مقارنة بعدد من دول المنطقة، ما يمنحها فرصة للاستفادة اقتصادياً من التحولات الجارية بصورة أسرع من منافسيها.
كما ساهم ارتفاع أسعار الطاقة العالمية في تعزيز أهمية تركيا كممر بري بين آسيا وأوروبا، وزاد من القيمة الاستراتيجية لخط أنابيب «ترك ستريم» الذي ينقل الغاز الروسي إلى الأراضي التركية ومنها إلى الأسواق الأوروبية.
ويرى خبراء صينيون أن استمرار التوتر في الخليج قد يمنح أنقرة فرصاً إضافية لتعزيز صادراتها الدفاعية، خاصة الطائرات المسيّرة والأنظمة العسكرية التي اكتسبت حضوراً متزايداً في الأسواق الدولية خلال السنوات الأخيرة.
ومع ذلك، فإن المكاسب التركية لا تخلو من المخاطر. فارتفاع أسعار الطاقة يفاقم الضغوط التضخمية داخل الاقتصاد التركي، الذي يعاني بالفعل من تحديات تتعلق بالعجز التجاري واستقرار العملة.
كما أن أي تصعيد واسع النطاق قد يهدد سياسة التوازن التي تتبعها أنقرة بين الولايات المتحدة وروسيا وإيران، ويجبرها على اتخاذ مواقف أكثر وضوحاً قد تكون مكلفة سياسياً واقتصادياً.
وفي الوقت نفسه، تواصل الحكومة التركية الترويج لـ«الممر الأوسط»، وهو مشروع تجاري يربط الصين بآسيا الوسطى وتركيا ثم أوروبا، باعتباره بديلاً استراتيجياً للمسارات المتضررة من النزاعات في إيران وأوكرانيا.
لكن مراقبين يرون أن العلاقات التركية الصينية ستظل محكومة بالتعاون الاقتصادي البراغماتي أكثر من تحولها إلى تحالف استراتيجي شامل، بسبب استمرار الخلافات حول بعض الملفات السياسية والتنافس على النفوذ في آسيا الوسطى.
وعلى الصعيد الإقليمي، لا تبدو الطريق مفتوحة أمام تركيا لفرض هيمنة كاملة على الشرق الأوسط. فالسعودية ومصر تحتفظان بأدوار مؤثرة في العالم العربي، بينما تواصل روسيا العمل على تعزيز علاقاتها مع أنقرة بالتوازي مع احتواء نفوذها.
ويرى خبراء أن أقصى ما يمكن أن تحققه تركيا في المدى المنظور هو ترسيخ موقعها كقوة إقليمية مؤثرة وصانعة للأجندة السياسية في عدد من الملفات المحلية والإقليمية، وليس كقوة مهيمنة قادرة على فرض رؤيتها على كامل الشرق الأوسط.
وتشير التطورات الحالية إلى أن أنقرة نجحت في تحويل جزء من أزمات المنطقة إلى فرص استراتيجية، إلا أن قدرتها على تحويل هذه المكاسب التكتيكية إلى نفوذ دائم ستظل مرتبطة بأداء اقتصادها الداخلي وبقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات المتنافسة مع القوى الإقليمية والدولية.






