طهران – (رياليست عربي). تواجه إيران تداخلا متصاعدا بين اضطرابات داخلية وضغوط خارجية، مع استمرار الاحتجاجات المرتبطة بتفاقم الأزمة الاقتصادية واتساعها على مستوى البلاد، بالتوازي مع تشدد الخطاب الأميركي عقب عملية عسكرية لافتة نفذتها الولايات المتحدة في فنزويلا.
وخلال الأسبوع الماضي، تحولت تظاهرات محلية اندلعت بسبب انهيار العملة إلى احتجاجات أوسع نطاقا، كاشفة عن الضغوط التي تواجهها الحكومة في ظل سوء الإدارة الاقتصادية وتراجع الشرعية السياسية. ووفق «وكالة نشطاء حقوق الإنسان» الأميركية، امتدت الاحتجاجات إلى ثمانٍ وثمانين مدينة في سبعٍ وعشرين محافظة من أصل إحدى وثلاثين، ما دفع السلطات إلى نشر قوات التعبئة «الباسيج» لاستعادة السيطرة.
وتزامن الاضطراب الداخلي مع قلق متزايد في طهران بعد تنفيذ القوات الأميركية عملية ليلية في كاراكاس لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وهو حليف وثيق لإيران، ونقله إلى الولايات المتحدة. وينظر مسؤولون ومحللون إيرانيون إلى العملية باعتبارها إشارة واضحة إلى استعداد واشنطن لاستخدام القوة المباشرة ضد حكومات تعتبرها خصما.
وعقب ذلك، جدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب تحذيراته لطهران، قائلا إن الولايات المتحدة سترد «بقوة» إذا أقدمت السلطات الإيرانية على قتل متظاهرين. وأكد ترامب، في تصريحات أدلى بها على متن الطائرة الرئاسية، أن إيران ستتعرض «لضربة قاسية جدا» في حال تصاعد القمع.
وتجد القيادة الإيرانية نفسها، التي لا تزال تحت وطأة تداعيات الضربات التي استهدفت منشآت نووية خلال الصيف الماضي، أمام احتمال مواجهة جديدة مع واشنطن. وقد جاءت ردود الفعل الرسمية غاضبة، مع تشديد القبضة الأمنية على التظاهرات وتكرار الاتهامات بأن الاضطرابات «مدفوعة من الخارج».
وبعد تسعة أيام من الاحتجاجات، أفادت «وكالة نشطاء حقوق الإنسان» بسقوط ما لا يقل عن تسعةٍ وعشرين قتيلا ونحو ألف ومئتي معتقل. واتُهمت قوات الأمن باستخدام أساليب قاسية، من بينها توقيف مصابين من داخل المستشفيات، وهي ممارسة سبق توثيقها خلال موجات احتجاج سابقة.
وزاد التوتر مع تصريحات داعمة للمتظاهرين الإيرانيين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ما عزز المخاوف في طهران من تنسيق ضغوط خارجية. وفي هذا السياق، صعّد مسؤولون إيرانيون لهجتهم، واصفين المحتجين بـ«مثيري الشغب» و«عملاء مرتبطين بالخارج».
وفي تعليق لافت، أقر المرشد الأعلى علي خامنئي بوجود مطالب شعبية، لكنه ميّز بوضوح بين الاحتجاج وأعمال الشغب. وقال في منشور: «الاحتجاج مشروع، لكن الاحتجاج شيء والشغب شيء آخر»، مضيفا أن «مثيري الشغب يجب وضعهم في مكانهم».
ويرى محللون أن القيادة الإيرانية باتت تنظر إلى نيات الولايات المتحدة بوصفها «عدائية بشكل صريح». وقال ولي نصر، من جامعة جونز هوبكنز، إن طهران ترى الاستراتيجية الأميركية على أنها «قصوى»، مع التحذير من أن سابقة فنزويلا لا تشكل بعد نموذجا جاهزا للتطبيق على إيران. ووصفت سنم وكيل، من معهد تشاتام هاوس، الوضع بأنه «أزمة ثلاثية» — اقتصادية وسياسية وخارجية — مع خطر تجدد مواجهة عسكرية تشمل الولايات المتحدة وإسرائيل.
ورغم تصاعد المقارنات مع فنزويلا عقب إزاحة مادورو، يشير محللون إلى فروق جوهرية، إذ أمضت إيران عقودا في الاستعداد لاحتمال تدخل خارجي عبر تطوير قدرات عسكرية محلية وبناء شبكة حلفاء إقليميين. وقد حذر مسؤولون إيرانيون من أن أي تصعيد إضافي سيجعل القوات الأميركية المنتشرة في الشرق الأوسط «أهدافا مشروعة».
وفي المقابل، تبقى فكرة التدخل الخارجي مرفوضة على نطاق واسع داخل إيران، بما في ذلك لدى كثيرين من منتقدي الحكومة. ويحذر مراقبون من أن تغييرا في القيادة بفعل ضغط خارجي، إن حدث، لا يعني بالضرورة تحولا جذريا في النظام السياسي أو السياسة الخارجية.
وبالنسبة لطهران، عززت التطورات الأخيرة رواية قديمة مفادها أن الانخراط مع واشنطن ينتهي بالمواجهة. وقال خامنئي في ختام الأسبوع: «لن نستسلم للعدو»، معتبرا أن الأزمة الراهنة دليل إضافي على أن المساومة مع الولايات المتحدة لا توفر أمنا مستداما للجمهورية الإسلامية.






