دبلن — (رياليست عربي). تواجه أيرلندا، مع توليها الرئاسة الدورية لمجلس الاتحاد الأوروبي، واحدة من أصعب مهامها السياسية: دفع المفاوضات بشأن الميزانية الأوروبية الجديدة للفترة 2028 ـ 2034، في وقت تتصادم فيه أولويات الدفاع والطاقة والتكنولوجيا مع مصالح الدعم الزراعي والإقليمي التقليدية.

وكانت المفوضية الأوروبية قد قدمت في يوليو 2025 مقترحها للإطار المالي متعدد السنوات، قبل استكمال الحزمة التشريعية في سبتمبر من العام نفسه. ويبلغ حجم المقترح نحو تريليوني يورو، مع محاولة لإعادة توجيه الإنفاق نحو تحديات جديدة، بينها القدرة التنافسية، والأمن، والتحول الصناعي، ودعم أوكرانيا.

لكن المفاوضات تحولت سريعاً إلى خطوط الانقسام التقليدية داخل الاتحاد. فالدول المستفيدة من أموال الزراعة والتماسك تسعى إلى حماية الصيغ القديمة للتوزيع، بينما ترفض دول دافعة صافية، مثل ألمانيا وهولندا والسويد، زيادة مساهماتها الوطنية في الميزانية المشتركة.

وتقول تحليلات أوروبية إن النسخ الأحدث من النقاشات أصبحت أقل طموحاً من المقترح الأول، ما يقلص المساحة المتاحة لتمويل أولويات باتت الدول الأعضاء نفسها تعتبرها ضرورية، مثل الدفاع الأوروبي، وأمن الطاقة، والذكاء الاصطناعي، والصناعات المتقدمة.

وقال الاقتصادي الإسباني أنخيل أوبيدي إن الميزانية الأوروبية الحالية ترسل رسالة سياسية واضحة مفادها أن أوروبا «لا تريد منافسة الصين أو الولايات المتحدة»، في إشارة إلى الفجوة بين الخطاب الأوروبي بشأن السيادة الصناعية والموارد المالية المخصصة لذلك.

وتكمن صعوبة مهمة دبلن في أن ميزانية الاتحاد تحتاج إلى إجماع الدول الأعضاء، ما يجعل كل بند عرضة للمساومة الوطنية. ورغم أن أيرلندا تجمع بين صفة الدولة الدافعة الصافية حالياً والمستفيدة التاريخية من أموال الزراعة والتنمية الإقليمية، فإن ذلك لا يضمن قدرتها على إخراج المفاوضات من منطق «من يدفع ومن يحصل».

وفي حال بقي الإطار المالي الجديد محدود الطموح، يتوقع مراقبون أن يتزايد اللجوء إلى أدوات موازية خارج الميزانية التقليدية. وقد استخدم الاتحاد هذه الآليات خلال السنوات الأخيرة لتمويل التأمين ضد البطالة في الجائحة، والتعافي بعد كوفيد، والمشتريات الدفاعية المشتركة، وقروض دعم أوكرانيا.

ومن بين الخيارات المطروحة إنشاء صناديق خاصة أو ميزانيات جانبية تمول بالاقتراض المشترك، وتخصص لمهام محددة مثل الدفاع، أو البنية التحتية للطاقة، أو التكنولوجيا المتقدمة. كما يناقش اقتصاديون ومسؤولون أوروبيون إصدار سندات مشتركة واسعة النطاق لتوفير أصل مالي آمن مدعوم من الاتحاد الأوروبي، وخفض تكلفة الاقتراض على الدول الأعضاء، وتعزيز دور اليورو في الأسواق العالمية.

وتقترح إسبانيا إنشاء «مرفق سيادي أوروبي» يمكنه مركزية جزء من إصدارات الديون المستقبلية للدول الأعضاء، بما يصل إلى 850 مليار يورو سنوياً، مع تعويض الدول التي تتمتع حالياً بتكاليف اقتراض أقل. وتقدر مدريد أن هذه الآلية قد توفر أكثر من 25 مليار يورو سنوياً عند اكتمالها.

غير أن هذه البدائل تواجه مقاومة سياسية من الدول المتحفظة على الديون المشتركة. لكنها، بخلاف الميزانية الأوروبية، لا تحتاج دائماً إلى إجماع كامل، ويمكن تنفيذها عبر «تحالفات الراغبين»، كما حدث في بعض أدوات دعم أوكرانيا.

وتضع هذه التطورات الرئاسة الإيرلندية أمام معادلة واضحة: إما التوصل إلى ميزانية أكثر قدرة على تمويل تحديات أوروبا الجديدة، أو السماح بتهميش الإطار المالي التقليدي لمصلحة أدوات جانبية أكثر مرونة. وفي الحالتين، ستحدد مفاوضات 2026 ما إذا كان الاتحاد الأوروبي قادراً على تحويل حديثه عن السيادة والتنافسية إلى موارد حقيقية.