موسكو – (رياليست عربي): أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة حول استيراد الهند للنفط الروسي جدلاً دولياً واسعاً، حيث اتهم نيودلهي بـ”تمويل الحرب في أوكرانيا” من خلال مواصلتها شراء النفط الروسي بأسعار مخفضة.
البيانات الرسمية تشير إلى أن الهند أصبحت ثاني أكبر مشتر للنفط الروسي بعد الصين، حيث تستورد ما يقارب 1.8 مليون برميل يومياً بأسعار أقل من السوق العالمية بنسبة 30-35%. هذه الصفقات المربحة للجانبين، تسببت في زيادة التجارة الثنائية بين الهند وروسيا إلى مستويات قياسية، حيث قفزت من 11 مليار دولار في 2021 إلى أكثر من 65 مليار دولار في 2024، وفقاً لإحصاءات وزارة التجارة الروسية.
من الناحية الاقتصادية، دفعت الهند باعتبارات المصلحة الوطنية لتبرير موقفها، حيث أكد مسؤولون هنود أن شراء النفط الروسي الرخيص ساعد في تخفيف أعباء المواطنين من خلال كبح جماح التضخم الذي كان يهدد بتجاوز 7%، كما وفر مليارات الدولارات من احتياطيات النقد الأجنبي. وزير النفط الهندي هارديب سينغ بوريا صرح بأن “أمن الطاقة أولوية قصوى للهند، ولن نسمح لأي طرف خارجي بتحديد مصادر إمداداتنا النفطية”.
على الصعيد الجيوسياسي، يمثل هذا النزاع اختباراً صعباً للعلاقات الأمريكية الهندية، التي شهدت تقارباً ملحوظاً في السنوات الأخيرة في إطار استراتيجية واشنطن لمواجهة النفوذ الصيني في المنطقة. محللون سياسيون يرون أن انتقادات ترامب قد تدفع الهند إلى إعادة تقييم تحالفاتها، خاصة في ظل تنامي التيار داخل النخبة السياسية الهندية الذي يطالب بتبني سياسة خارجية أكثر استقلالية.
من جهتها، حاولت الإدارة الأمريكية الحالية تخفيف حدة التوتر، حيث أكد وزير الخارجية أنتوني بلينكن أن واشنطن “تفهم احتياجات الهند من الطاقة”، معرباً عن أمله في أن تلتزم نيودلهي بـ”الروح” المتمثلة في الحد من الإيرادات الروسية قدر الإمكان. لكن هذه التصريحات لم تمنع بعض أعضاء الكونجرس من التهديد بفرض عقوبات ثانوية على الشركات الهندية المتورطة في تجارة النفط الروسي.
في موسكو، رحب المسؤولون بالموقف الهندي، حيث وصف المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف نيودلهي بأنها “شريك موثوق” يؤمن بمبادئ التجارة الحرة والمنفعة المتبادلة. مصادر دبلوماسية روسية كشفت عن مفاوضات متقدمة لزيادة صادرات النفط إلى الهند عبر خطوط أنابيب جديدة، مما قد يقلل من تكاليف النقل ويجعل الصفقات أكثر جاذبية للجانب الهندي.
الخبراء الاقتصاديون يحذرون من أن تصاعد هذا النزاع قد يكون له تداعيات خطيرة على الاقتصاد العالمي الهش أصلاً. فمن ناحية، قد يؤدي فرض قيود على صادرات النفط الروسي إلى ارتفاع حاد في الأسعار العالمية، مما يزيد من ضغوط التضخم في الاقتصادات الكبرى. ومن ناحية أخرى، قد تدفع الهند إلى تعميق تعاونها مع أنظمة بديلة للدفع بعملات غير الدولار، مما يقوّض مكانة العملة الأمريكية كعملة احتياطية عالمية.






