باريس — (رياليست عربي). أثار ارتفاع تكاليف الاقتراض الحكومي في فرنسا مخاوف المستثمرين من احتمال انتقال أزمة الديون إلى دول أخرى في منطقة اليورو، بعدما تجاوز العائد على السندات الفرنسية لأجل عشر سنوات مستوى 5% للمرة الأولى منذ عام 2002، وسط استمرار الاضطرابات السياسية والاجتماعية وتدهور مؤشرات المالية العامة.

واتسع الفارق بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية لأجل عشر سنوات إلى أكثر من 170 نقطة أساس، الخميس 22 أكتوبر 2026، مسجلاً أعلى مستوياته منذ أزمة الديون السيادية الأوروبية في مطلع العقد الماضي.

كما ارتفعت تكلفة التأمين على الديون الفرنسية ضد التخلف عن السداد إلى مستويات لم تُسجل منذ تلك الأزمة، بينما فقد اليورو نحو 5% من قيمته أمام الدولار منذ بداية العام.

الدين الفرنسي يقترب من 120% من الناتج المحلي

بلغ الدين العام الفرنسي 119% من الناتج المحلي الإجمالي في نهاية الربع الثاني من 2026، فيما خفضت الحكومة توقعاتها للنمو الاقتصادي خلال العام إلى 0.5%.

وتواجه باريس صعوبات في تنفيذ إجراءات لخفض العجز بسبب الانقسامات البرلمانية والاحتجاجات الاجتماعية، ما يزيد مخاوف المستثمرين بشأن قدرة الحكومة على استقرار المالية العامة.

وقال كارستن برزيسكي، كبير الاقتصاديين لمنطقة اليورو في بنك ING، إن فرنسا دخلت مرحلة أزمة مالية واضحة، لكنه استبعد وجود مشكلة سيولة وشيكة لدى الحكومة.

مخاوف من تكرار أزمة الديون الأوروبية

تتمثل المخاطر الرئيسية في انتقال ارتفاع تكاليف الاقتراض إلى دول أخرى تستخدم العملة الموحدة، خصوصاً إيطاليا وإسبانيا، ما قد يفرض عليها تقليص الإنفاق الحكومي ويزيد الضغوط السياسية الداخلية.

وكانت أزمة الديون الأوروبية بين عامي 2010 و2012 قد بدأت في اليونان قبل انتقالها إلى البرتغال وأيرلندا وإيطاليا وإسبانيا، وأدت إلى برامج إنقاذ مالي وإجراءات تقشف واسعة.

وحذر الاقتصادي الأمريكي بول كروغمان من احتمال نشوء حلقة مفرغة، يؤدي فيها ارتفاع المخاوف بشأن الديون إلى زيادة العوائد وتكاليف خدمتها، ثم إلى مزيد من القلق لدى المستثمرين.

محللون يستبعدون أزمة شاملة في المدى القريب

رغم التوتر في الأسواق، يرى خبراء أن منطقة اليورو أصبحت أكثر قدرة على مواجهة الأزمات مقارنة بعام 2012، بفضل تحسن أوضاع البنوك وتطوير أدوات البنك المركزي الأوروبي للتدخل عند حدوث اضطرابات حادة.

وقال جورج لاغارياس، كبير الاقتصاديين في شركة فورفيس مازارز، إن فرنسا تواجه بالفعل أزمة ديون، لكنه قدر احتمال انتقالها إلى أزمة أوروبية واسعة بما يتراوح بين 10% و20%.

وأشار إلى أن مستويات الدين الفرنسي المرتفعة معروفة للمستثمرين، بخلاف الأزمة اليونانية التي تفاقمت بعد الكشف عن عجز أكبر بكثير من التقديرات الحكومية السابقة.

من جانبه، اعتبر أليكس إيفريت، مدير الاستثمار في شركة أبردين، أن المخاطر الحالية تظل مرتبطة أساساً بفرنسا، وليست أزمة نظامية تشمل منطقة اليورو بأكملها.

وتكمن أهمية التطورات في أن فرنسا تمثل ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو، ما يجعل استمرار ارتفاع تكاليف اقتراضها عاملاً مؤثراً في الأسواق المالية الأوروبية.

ورغم أن انتقال الأزمة ليس حتمياً، فإن استمرار اتساع فروق عوائد السندات وارتفاع تكلفة التأمين على الديون سيشكل اختباراً لقدرة المؤسسات الأوروبية على احتواء الضغوط المالية ومنع تكرار أزمة الديون السيادية السابقة.