القدس — (رياليست عربي). تتواصل القيود الإسرائيلية المفروضة على المسجد الأقصى في القدس المحتلة، وسط تصاعد التوترات المرتبطة باقتحامات المستوطنين وتصريحات مسؤولين إسرائيليين، في وقت يحذر فيه مسؤولون في دائرة الأوقاف الإسلامية من تهديد متزايد للوضع التاريخي والقانوني القائم في الحرم الشريف.
وخلال زيارة إلى المسجد الأقصى، وصف مسؤولون في دائرة الأوقاف الإسلامية الأجواء داخل الحرم بأنها «متوترة ومضطربة»، في ظل الانتشار المكثف لقوات الشرطة الإسرائيلية وتراجع أعداد المصلين بعد أسابيع من القيود والإغلاقات.
وكان وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير قد اقتحم المسجد الأقصى مرتين خلال الأسبوع السابق، وصرح خلال إحدى الزيارات قائلا: «أشعر وكأنني صاحب المكان هنا»، ما أثار انتقادات فلسطينية وإسلامية واسعة.
وبحسب مسؤولين في الأوقاف، تخضع أعمال الصيانة والترميم داخل الأقصى لقيود إسرائيلية مشددة، حتى في أبسط التفاصيل، رغم أن ترتيبات «الوضع القائم» التاريخية تمنح إدارة الأوقاف الإسلامية التابعة للأردن صلاحية الإشراف على الحرم.
وأشار أحد مسؤولي الأوقاف إلى أن أي تغيير أو ترميم داخل المرافق يحتاج إلى موافقة الشرطة الإسرائيلية، محذرا من أن مخالفة ذلك قد تؤدي إلى الاعتقال.
وفي هذا السياق، أجرى أكاديمي القدس وأستاذ الفلسفة والدراسات الإسلامية في جامعة القدس مصطفى أبو سوي حديثا موسعا حول الإرث الفكري للفيلسوف والمتصوف الإسلامي أبو حامد الغزالي، الذي ارتبط اسمه تاريخيا بالمسجد الأقصى.
وأوضح أبو سوي، الذي يشغل «كرسي الغزالي» العلمي في الأقصى بدعم من العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، أن الغزالي كتب أجزاء من مؤلفه الشهير «إحياء علوم الدين» في منطقة باب الرحمة داخل المسجد الأقصى قبل نحو تسعة قرون.
وقال إن الغزالي، الذي ولد عام 1058 في مدينة طوس بإيران الحالية، بلغ مكانة علمية رفيعة في بغداد قبل أن يدخل في أزمة روحية دفعته إلى التخلي عن الشهرة والثروة والسلطة والانتقال إلى دمشق ثم القدس طلبا للعزلة والتأمل.
وأضاف أبو سوي أن رسالة الغزالي ما زالت حاضرة حتى اليوم، خصوصا في نقده للنزعة الفردية والتعلق بالسلطة والشهرة، معتبرا أن «وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة تمثل نقيضا مباشرا لفكر الغزالي القائم على تهذيب النفس».
كما رفض أبو سوي الاتهامات الغربية التي تحمل الغزالي مسؤولية تراجع العلوم في العالم الإسلامي، مؤكدا أن الدمار الذي لحق بالمراكز الحضارية الإسلامية جاء نتيجة الغزوات الخارجية، مثل اجتياح المغول لبغداد وسقوط الأندلس والحروب الصليبية.
وفي ختام حديثه، حذر أبو سوي من تصاعد الدعوات داخل إسرائيل لبناء «الهيكل الثالث» مكان المسجد الأقصى وقبة الصخرة، بدعم من جماعات «جبل الهيكل» وبعض التيارات داخل الإدارة الأميركية.
وأشار إلى أن المسجد الأقصى، الذي ظل على مدى 13 قرنا مركزا للعبادة والعلم والرحلات الروحية، بات اليوم يواجه قيودا تجعل حتى الوصول إليه والصلاة فيه أمرا صعبا بالنسبة لكثير من المسلمين.
أهمية هذه التصريحات تتجاوز البعد الديني، إذ تعكس تصاعد الصراع حول الهوية والسيادة والوجود التاريخي في القدس، في ظل التوترات السياسية والدينية المتزايدة.
تحريريا، يظهر ملف المسجد الأقصى اليوم باعتباره أكثر من مجرد قضية دينية أو أمنية؛ فهو أصبح ساحة رمزية للصراع على الرواية التاريخية والشرعية السياسية في القدس. وبينما تتزايد القيود الإسرائيلية والدعوات اليمينية المتطرفة، يبرز استحضار إرث شخصيات مثل الغزالي كجزء من محاولة فلسطينية وإسلامية للتأكيد على العمق الحضاري والروحي للمكان في مواجهة التحولات الجارية.






