بروكسل – (رياليست عربي). بعد أسبوع من الانتقادات الأميركية العلنية للاتحاد الأوروبي في ملفات الهجرة والتنظيمات الرقمية والسياسة الخارجية، بدأت العواصم الأوروبية تعيد تقييم مستقبل الشراكة عبر الأطلسي وسط تزايد الانقسام حول كيفية التعامل مع إدارة الرئيس دونالد ترامب.
دبلوماسي أوروبي قال لـ«يورونيوز»: “لم يكن مجرد توبيخ… كان ضرباً عنيفاً”، في إشارة إلى حدة الخطاب القادم من واشنطن.
بداية التوتر جاءت مع نشر استراتيجية الأمن القومي الأميركية الجديدة، التي حذرت بروكسل من أن عليها “تغيير مسارها” أو مواجهة “اندثار حضاري”. الوثيقة فجّرت توتراً دبلوماسياً فورياً، وعمّقت هوّة قائمة بالفعل بين الطرفين حول الحوكمة العالمية والتجارة والحرب في أوكرانيا.
ثم اتسعت المواجهة بعد أن وصف إيلون ماسك قادة الاتحاد الأوروبي بـ“المفوضين الشيوعيين”، منتقداً غرامة بقيمة 120 مليون يورو فرضتها بروكسل على منصته X بسبب انتهاكات تنظيمية. ترامب تبنى خطاب ماسك، واصفاً قرار المفوضية بـ“الخبيث”، ومتهماً أوروبا بأنها “تسير في اتجاه سيئ”.
دبلوماسيون أوروبيون رأوا في التصريحات تدخلاً خارجياً مباشراً، مشيرين إلى أن الغرامة على ماسك “متواضعة” مقارنة بعقوبات سابقة ضد شركات التكنولوجيا الكبرى.
شرخ استراتيجي يتوسع
جوهر الخلاف يعود إلى اختلاف جذري في الرؤية. فالاتحاد الأوروبي يرى نفسه مدافعاً عن التعددية، والتجارة القائمة على القواعد، والقانون الدولي. أما استراتيجية ترامب الثانية فترتكز على مبدأ “أميركا أولاً”، مع ميل متزايد للرسوم الجمركية والصفقات الثنائية وسياسة القوة.
الاستراتيجية الجديدة تدعو صراحة إلى تعزيز العلاقات مع “الأحزاب الوطنية” في أوروبا، في إشارة تُفهم على أنها دعم للقوى المحافظة المعادية لمؤسسات الاتحاد. أقرب حلفاء ترامب في القارة هما فيكتور أوربان وجورجيا ميلوني، رغم اختلاف مقاربتهما لبروكسل.
في الجوهر، تضغط واشنطن على أوروبا كي “تبقى أوروبا” — أي أن تتراجع عن المركزية الأوروبية وتركّز على الدول القومية، وفي الوقت نفسه تصطف خلف أولويات الولايات المتحدة.
قادة أوروبيون حذروا من أن هذا النهج يأتي بكلفة سياسية باهظة.
رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا قال إن “الحلفاء لا يتدخلون في العمليات الديمقراطية لبعضهم البعض”.
المستشار الألماني فريدريش ميرتس أكد أن الديمقراطية الأوروبية “لا تحتاج إنقاذاً”، ورفض مزاعم واشنطن بوصفها “غير مقبولة”.
أما المفوض الأوروبي السابق جوزيب بوريل فاتهم الولايات المتحدة بالسعي إلى تشكيل “أوروبا مجزأة وخاضعة”، مضيفاً أن على الأوروبيين “إثبات سيادتهم والتوقف عن التعامل مع ترامب كصديق”.
رد أوروبي منقسم
ورغم الاستياء الواسع، لم يصدر رد موحد من الاتحاد. رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين امتنعت عن التعليق على الاستراتيجية الأميركية أو خلاف ماسك. وتفضّل بروكسل التهدئة للحفاظ على الحد الأدنى من التنسيق، خصوصاً في ملف أوكرانيا.
هذا النهج أدى إلى قبول الاتحاد في الصيف الماضي صفقة تجارية غير متوازنة رفعت الرسوم الأميركية على الصادرات الأوروبية إلى 15%، بينما خفضت واشنطن الرسوم على معظم السلع الأميركية. منتقدون وصفوا الاتفاق بـ“المهين”، فيما اعتبره صندوق النقد الدولي “قراراً عملياً”.
لكن التنازلات لم تمنح أوروبا نفوذاً أكبر في المسار الدبلوماسي مع موسكو أو كييف. مسؤولون أميركيون أكدوا مراراً أن توقعات أوروبا بشأن الحرب “غير واقعية”.
وفي الوقت نفسه، امتنعت أحزاب اليمين المتطرف الأوروبية المتحالفة أيديولوجياً مع ترامب عن انتقاده، بل أشادت بخطابه المتشدد حول الهجرة و“مناهضة اليقظة الثقافية”.
نحو “الاستقلالية الاستراتيجية”؟
تطورات الأسبوع الماضي عززت رأي شريحة من صناع القرار الأوروبيين بأن القارة بحاجة إلى تحمل مسؤولية أكبر عن أمنها واقتصادها وتموضعها الجيوسياسي.
المفوض الأوروبي للدفاع أندريوس كوبليوس قال: “يجب أن نصبح أكثر استقلالية في قدراتنا الدفاعية وفي موقعنا الجيوسياسي. علينا تجاوز العقلية التي تنتظر دائماً خطة واشنطن.”
لكن الطريق نحو هذه الاستقلالية — لقارة اعتادت لعقود على المظلة الأميركية — لا يزال غامضاً، ومليئاً بالخلافات الداخلية حول كيفية السير فيه.






