كامبريدج — (رياليست عربي). يرى مقال تحليلي نشرته «بروجيكت سنديكيت» أن العالم الحديث تشكل، إلى حد كبير، من ثلاث ثورات تزامنت حول عام 1776: صدور كتاب آدم سميث «ثروة الأمم»، وإعلان استقلال الولايات المتحدة، وبدايات الثورة الصناعية مع صعود الآلة البخارية. وقد صنعت هذه التحولات معاً نموذجاً جديداً للمجتمع يقوم على السوق، والديمقراطية، والتكنولوجيا.

وبحسب الكاتبة أنتارا هالدار، فإن هذه الثورات أطلقت مجتمعاً تحكمه قواعد غير شخصية: الأسعار، وصناديق الاقتراع، والاكتشاف العلمي، والتراكم التكنولوجي. ومع الوقت، تحولت السوق من أداة لتحقيق الرفاه إلى غاية قائمة بذاتها، وظهر نموذج الإنسان الاقتصادي العقلاني، الحر، الساعي إلى مصلحته، لكنه أيضاً أكثر عزلة وانفصالاً عن الروابط الاجتماعية.

وتقول الكاتبة إن هذا النموذج بدا ناجحاً لعقود طويلة. فقد أنتجت الديمقراطية والرأسمالية الصناعية ثروة غير مسبوقة، وأسهمتا في خفض الفقر والمرض والعنف، وجرى تصديرهما عالمياً عبر مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وما عرف لاحقاً بـ«توافق واشنطن».

لكن المقال يعتبر أن التحولات الثلاث نفسها تواجه اليوم ارتداداً واضحاً. فالتجارة الحرة تتراجع تحت ضغط الحمائية، والديمقراطية تنزلق في دول عدة نحو الشعبوية السلطوية، بينما يدخل الذكاء الاصطناعي مرحلة أتمتة ما كان يعد السمة الأهم للإنسان: الذكاء نفسه.

وتربط هالدار هذه الأزمة بتآكل رأس المال الاجتماعي، وتراجع الثقة، وانتشار العزلة، وارتفاع ما يسميه اقتصاديون «وفيات اليأس» في مجتمعات تضررت من التحولات الاقتصادية. كما تشير إلى أن المخاطر الكبرى، من تغير المناخ إلى الحرب النووية وخروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، لم تعد مجرد «تكاليف خارجية» يمكن للسوق تسعيرها، بل تهديدات وجودية تجعل لغة الكلفة والسعر غير كافية.

ويرى المقال أن جزءاً من المشكلة يعود إلى قراءة ناقصة لآدم سميث، ركزت على المصلحة الذاتية في «ثروة الأمم» وأهملت كتابه الآخر «نظرية المشاعر الأخلاقية»، الذي يعطي مكانة مركزية للتعاطف والحكم الأخلاقي والروابط الاجتماعية.

ومن هنا تدعو الكاتبة إلى إعادة دمج السوق داخل إطار أخلاقي واجتماعي، معتبرة أن الحوافز المالية وحدها لا تكفي للحفاظ على التعاون أو بناء مجتمع سليم. فالأسواق تحتاج إلى معايير وثقة ومسؤولية لا تستطيع إنتاجها بنفسها.

ويخلص المقال إلى أن أزمة الرأسمالية الراهنة ليست اقتصادية فقط، بل أزمة معنى وانتماء واعتراف وهوية. ولذلك، فإن التحدي في عام 2026 وما بعده لا يتمثل في إلغاء الحرية، بل في إعادة تعريفها بوصفها قدرة على الفعل داخل مجتمع مترابط، لا مجرد حق فردي في عدم التدخل.

وتلخص هالدار رسالتها بالقول إن «الحلم الأمريكي» كان إحدى أقوى الأفكار الحديثة، لكنه لا يستطيع أن يعمل إلى ما لا نهاية من تلقاء نفسه. فبعد 250 عاماً من 1776، لم تعد الحاجة إلى «يد خفية» وحدها، بل إلى «لمسة إنسانية» تعيد الاقتصاد إلى خدمة المجتمع، لا العكس.

الموضوعاتمواضيع شائعة