واشنطن — (رياليست عربي) رسخ عام 2026 مكانة الذكاء الاصطناعي باعتباره العامل الأكثر تأثيراً في سوق العمل العالمي، مع تسارع اعتماد الشركات الكبرى على الأتمتة وتزايد المخاوف من فقدان الوظائف واتساع الفجوة الاقتصادية بين المستفيدين من الثورة التقنية والمتضررين منها.

وأظهر تقرير صادر عن شركة الاستشارات “تشالنجر غراي آند كريسماس” أن الشركات الأميركية أعلنت خلال مايو 2026 عن أكثر من 97 ألف عملية تسريح للعمال، كان نحو 40% منها مرتبطاً بشكل مباشر بتطبيقات الذكاء الاصطناعي والأتمتة.

وأشار التقرير إلى أن الذكاء الاصطناعي تصدر قائمة أسباب الاستغناء عن الموظفين للشهر الثالث على التوالي، فيما فقد قطاع التكنولوجيا وحده نحو 81.7 ألف وظيفة خلال الربع الأول من العام، وهو أعلى مستوى منذ عامين.

وبحسب بيانات منصتي Tech Layoff Tracker وTrueUp، تجاوز عدد الوظائف التي خسرها العاملون في قطاع التكنولوجيا خلال عام 2026 حاجز 150 ألف وظيفة.

وتُعد وظائف خدمة العملاء ومراقبة الجودة والإشراف على المحتوى والإدارة الوسطى والموارد البشرية والوظائف الهندسية للمبتدئين من أكثر الفئات عرضة للتأثر بالأتمتة.

انقسام في الرؤى

ورغم هذه المؤشرات، أبدى مؤسس شركة أمازون جيف بيزوس تفاؤله بشأن مستقبل سوق العمل خلال مشاركته في معرض VivaTech بباريس.

وقال بيزوس إن الذكاء الاصطناعي لن يجعل البشر غير ضروريين، بل قد يؤدي إلى نقص في العمالة نتيجة ارتفاع الإنتاجية وظهور قطاعات وفرص جديدة.

لكن منتقدين يشيرون إلى أن أمازون نفسها ألغت نحو 30 ألف وظيفة إدارية خلال الفترة الأخيرة مستفيدة من تحسينات الكفاءة الناتجة عن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

في المقابل، حذر المؤرخ الإسرائيلي يوفال نوح هراري من أن الوظائف متوسطة الدخل والمرتبطة بالمهام الروتينية ستكون الأكثر عرضة للخطر.

وقال هراري إن الشركات الخاصة قد تجد أن استبدال الموظفين بآلات لا تتطلب أجوراً أو مزايا مالية خيار أكثر جاذبية اقتصادياً.

سوق عمل بسرعتين

وأظهر تقرير “مؤشر وظائف الذكاء الاصطناعي 2026” الصادر عن شركة PwC، والذي استند إلى أكثر من مليار إعلان توظيف حول العالم، ظهور ما وصفه بسوق عمل يعمل بسرعتين.

فالمهن التي يستخدم فيها الذكاء الاصطناعي لدعم الخبرات البشرية وتحسين الإنتاجية تشهد نمواً أسرع وارتفاعاً أكبر في الأجور مقارنة بالمهن التي تؤدي فيها الأتمتة إلى تبسيط المهام وإتاحة أدائها لعدد أكبر من العاملين.

كما ارتفع الطلب على المهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بنسبة 69%، بينما وصل متوسط العلاوة في الأجور للوظائف التي تتطلب هذه المهارات إلى 62% مقارنة بالوظائف التقليدية.

وأظهرت الدراسة أن الشركات الأكثر اعتماداً على الذكاء الاصطناعي حققت نمواً في الإنتاجية بلغ 34% مقارنة بـ24% لدى الشركات الأقل استخداماً لهذه التقنيات.

ظهور “القوى العاملة الرقمية”

وكشف تقرير “حالة الذكاء الاصطناعي في المؤسسات 2026” الصادر عن شركة Box أن 34% من الشركات بدأت تطبيق ما يعرف باستراتيجية “القوى العاملة الرقمية”، حيث يتم دمج وكلاء الذكاء الاصطناعي ضمن الهياكل التشغيلية للمؤسسات مع تحديد أدوار ومسؤوليات واضحة لهم داخل سير العمل.

وفي المقابل، بدأت وظائف جديدة بالظهور، من بينها مشغلو وكلاء الذكاء الاصطناعي، ومتخصصو أمن الذكاء الاصطناعي والامتثال، وخبراء أتمتة العمليات.

تحديات قانونية متزايدة

وفي الوقت الذي تتوسع فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي، تواجه الأنظمة القانونية صعوبة في مواكبة التطورات التقنية.

ففي الصين، بدأت المحاكم بالنظر في قضايا تتعلق بما يسمى “الاستبدال بالذكاء الاصطناعي”. وفي إحدى القضايا البارزة خلال أبريل الماضي، قضت محكمة في مدينة هانغتشو بعدم قانونية خفض رتبة موظف تقني وتقليص راتبه بحجة أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادراً على أداء مهامه.

وأكدت المحكمة أن الشركات مطالبة أولاً بتوفير فرص إعادة التدريب أو النقل الوظيفي قبل اللجوء إلى إنهاء العقود بسبب الأتمتة.

مخاطر أكبر على الدول النامية

وحذر تقرير مشترك لمنظمة العمل الدولية والبنك الدولي من أن الدول النامية قد تكون الأكثر عرضة للتأثر بالتحولات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وأشار التقرير إلى أن الوظائف الإدارية والكتابية، التي شكلت لعقود مدخلاً إلى الطبقة الوسطى خاصة للنساء والشباب، تواجه مخاطر مرتفعة من الأتمتة، في حين لا يزال كثير من العاملين في الاقتصادات النامية يفتقرون إلى البنية التحتية الرقمية والاتصال الموثوق بالإنترنت.

اتساع الفجوة الاجتماعية

بالتوازي مع موجات التسريح الوظيفي، يشهد قطاع الذكاء الاصطناعي نمواً غير مسبوق في الثروات وقيم الشركات.

فقد وصلت القيمة السوقية لشركة سبيس إكس إلى نحو 2.1 تريليون دولار بعد إدراجها في البورصة، بينما ارتفعت أسهم شركة Cerebras Systems بنسبة 68% في أول يوم تداول لها، وأصبح إيلون ماسك أول شخص تتجاوز ثروته حاجز التريليون دولار وفق تقديرات متداولة في الأسواق.

وأظهر استطلاع أجرته وكالة رويترز بالتعاون مع مؤسسة إبسوس أن نصف الأميركيين يخشون أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى فقدانهم أو أحد أفراد أسرهم لوظيفته.

كما اعتبر 76% من المشاركين أن تكاليف المعيشة تمثل التحدي الأكبر الذي يواجههم، مقارنة بـ58% فقط قبل عام واحد.

مرحلة مفصلية

يرى خبراء أن العالم يقف أمام مرحلة شبيهة بالثورات الصناعية السابقة، حيث ستنشأ وظائف جديدة وتختفي أخرى بوتيرة متسارعة.

غير أن التحدي الأكبر يتمثل في قدرة الحكومات والشركات على إدارة عملية التحول، وتوفير برامج إعادة التأهيل والتدريب، ومنع اتساع الفجوة بين الفئات المستفيدة من الذكاء الاصطناعي وتلك التي قد تجد نفسها خارج سوق العمل.

وفي ظل استمرار تسارع التطورات التقنية، يزداد الجدل حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيقود إلى عصر جديد من الازدهار الاقتصادي أم إلى موجة من الاضطرابات الاجتماعية الناتجة عن إعادة تشكيل سوق العمل العالمي.