بروكسل (رياليست عربي). أظهرت بيانات حديثة أن الأجور الحقيقية في معظم دول أوروبا لم تعد بعد إلى مستويات ما قبل جائحة كورونا، في ظل استمرار تأثير موجة التضخم التي أعقبت أزمة الطاقة في عام 2022 على القوة الشرائية للأسر.
ووفق تحليل أجرته منصة «Indeed»، فإن الأجور المعدلة حسب التضخم في يناير 2026 لا تزال أقل من مستويات يناير 2021 في سبع اقتصادات أوروبية كبرى. ويبلغ مؤشر الأجور الحقيقية في منطقة اليورو 96.2، ما يعني أن القدرة الشرائية لم تستعد كامل عافيتها.
فجوة بين الأسعار والأجور
جاءت هذه الفجوة نتيجة الارتفاع الحاد في التضخم، الذي تجاوز 11% في الاتحاد الأوروبي عام 2022 بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، حيث ارتفعت الأسعار بوتيرة أسرع من نمو الأجور، ما خلق فجوة لا تزال الاقتصادات تحاول سدها.
وتُعد هولندا والمملكة المتحدة الأقرب إلى التعافي، بمؤشرات بلغت 99.7 و99.5 على التوالي، تليهما ألمانيا وأيرلندا عند 99.1، بينما تسجل فرنسا 98.1.
في المقابل، تبقى إسبانيا عند مستوى 96.2، في حين تتخلف إيطاليا بشكل واضح عند 89.9، ما يعكس ضعف نمو الأجور. ويعني ذلك أن دخلًا قدره €1000 في 2021 يعادل فعليًا نحو €899 من حيث القوة الشرائية في 2026.
أسباب هيكلية للتأخر
يرى بافيل أدريان، مدير الأبحاث الاقتصادية في «Indeed»، أن هناك عاملين رئيسيين وراء بطء التعافي. الأول هو أن أنظمة تحديد الأجور في أوروبا تعتمد غالبًا على اتفاقيات جماعية متعددة السنوات، ما يجعلها تتفاعل ببطء مع الصدمات التضخمية السريعة.
أما العامل الثاني فيتمثل في رفع أسعار الفائدة من قبل البنوك المركزية، وعلى رأسها البنك المركزي الأوروبي، لكبح التضخم، وهو ما أدى إلى تباطؤ سوق العمل وتقليص قدرة العمال على التفاوض، وبالتالي إبطاء نمو الأجور.
تفاوت بين الدول
تختلف وتيرة التعافي بين الدول. ففي المملكة المتحدة، ساهمت زيادات الأجور الاسمية ونقص العمالة ورفع الحد الأدنى للأجور في تقليص الفجوة. كما استفادت ألمانيا وهولندا من زيادات متأخرة لكنها كبيرة في الأجور عبر الاتفاقيات الجماعية.
أما إيطاليا، فتُعد حالة استثنائية، حيث ظل نمو الأجور ضعيفًا رغم الطلب النسبي على العمالة، ما أدى إلى اتساع الفجوة في الأجور الحقيقية.
كما تأثر أصحاب الدخل المنخفض بشكل أكبر، نظرًا لبطء تعديل أجورهم واعتمادها على أطر حد أدنى ثابتة.
مخاطر جديدة في الأفق
يحذر اقتصاديون من أن التعافي لا يزال هشًا، خاصة مع ارتفاع أسعار الطاقة مجددًا نتيجة التوترات في الشرق الأوسط، ما قد يؤدي إلى موجة تضخمية ثانية قبل انتهاء آثار الأولى.
وأشار أدريان إلى أن العديد من اقتصادات شمال أوروبا كانت قريبة من التعافي الكامل، لكن استمرار اضطرابات الطاقة قد يؤخر ذلك إلى عامي 2027 أو 2028.
تعكس هذه المعطيات كيف يمكن لصدمات التضخم أن تترك آثارًا طويلة الأمد على مستويات المعيشة، حتى بعد تراجع معدلاته.
ويبقى السؤال الأساسي ما إذا كانت أوروبا قادرة على الحفاظ على نمو الأجور في ظل تباطؤ اقتصادي، أم أن ضغوط الطاقة ستؤدي مجددًا إلى تآكل القوة الشرائية للأسر.






