(رياليست عربي) – عندما حذر المفتي الأكبر للسعودية الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ عام 2017 من خطط رفع الحظر عن دور السينما والحفلات الموسيقية باعتبارها «مفسدة وضارة»، مضى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان قدماً في تنفيذ القرار، متعهداً باجتثاث «الأفكار المتطرفة» وتهميش المؤسسة التقليدية. بعد رحيل آل الشيخ الأسبوع الماضي، تبدو ملامح التحول أكثر وضوحاً.
منذ ذلك الحين، قاد ولي العهد أكبر عملية تحديث ديني واجتماعي في المملكة منذ عقود. فقد قلّص سلطات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحدّ من سلطة القضاة في تفسير الشريعة، وخفّض حصة الدراسات الدينية في المناهج، وخفف من قيود الفصل بين الجنسين. المتاجر لم تعد تغلق خمس مرات في اليوم للصلاة، النساء يقدن السيارات ويعملن بأعداد غير مسبوقة، وتباع علناً الورود الحمراء في عيد الحب وزينة عيد الميلاد.
يرى محللون أن هذه الإصلاحات تمثل تحولاً عميقاً في بلد طالما اتُّهم بتصدير التشدد، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر. وقال الدبلوماسي الأمريكي السابق ديفيد رونديل إن «ما تفعله الرياض اليوم هو صياغة نسخة أكثر تسامحاً من الإسلام». فيما وصف دبلوماسي غربي في الرياض ولي العهد بأنه «أول زعيم عربي يتحدى الإسلاميين فكرياً من قلب العالم الإسلامي».
الإصلاحات، بحسب الأمير محمد، تأتي لإعادة السعودية إلى مسار انقطع عام 1979 عقب الثورة الإيرانية وحادثة الحرم، حين تبنت الدولة نهجاً دينياً أكثر تشدداً. على مدى عقود، كان لعلماء مثل آل الشيخ نفوذ واسع في صياغة المجتمع ونشر رسالتهم خارجياً. اليوم، باتت مؤسسات مثل رابطة العالم الإسلامي تحت قيادة الشيخ محمد العيسى أداة لترويج صورة أكثر اعتدالاً، عبر مؤتمرات حوار الأديان والتأكيد على التسامح الديني.
إحدى المبادرات الأبرز هي مراجعة شاملة للأحاديث النبوية لاعتماد عدد محدود منها كأساس للتشريع، فيما اعتبر الأمير محمد عام 2021 أن حتى كتابات محمد بن عبدالوهاب قابلة للنقد والمراجعة.
لكن التحرير الاجتماعي ترافق مع تضييق سياسي. فقد سُجن دعاة بارزون مثل سلمان العودة وسط تحذيرات منظمات حقوقية من احتمال الحكم عليه بالإعدام. ويقول ناشطون إن قمع النقاش العام بين المحافظين والليبراليين يثير أسئلة حول حجم المقاومة الصامتة للإصلاحات.
مع ذلك، تغيّرت الحياة اليومية للسعوديين بشكل ملموس. ويقول سلطان العامر من معهد نيو لاينز: «الشباب اليوم حين يناقشون مشاكلهم، لم يعودوا يسألون إن كانت حلالاً أم حراماً، بل صاروا يلجأون إلى المحامين أو المؤثرين على وسائل التواصل أو مدربي الحياة».






