لندن — (رياليست عربي). تكبد حزب العمال البريطاني بزعامة رئيس الوزراء كير ستارمر خسائر كبيرة في الانتخابات المحلية البريطانية، في أول اختبار انتخابي واسع منذ وصوله إلى السلطة قبل عامين، ما كشف حجم التراجع في شعبيته وأعاد الجدل داخل الحزب حول مستقبله السياسي.
وأظهرت النتائج الأولية فقدان حزب العمال مئات المقاعد في المجالس المحلية، بما في ذلك معاقل تاريخية للحزب في شمال ووسط إنجلترا. وكان المستفيد الأكبر حزب «ريفورم يو كيه» الشعبوي بقيادة نايجل فاراج، الذي حصد أكثر من 300 مقعد محلي في إنجلترا، وحقق اختراقات واسعة في مناطق كانت تعد تقليديا قلاعاً للعمال.
ووصف عالم استطلاعات الرأي البريطاني جون كيرتيس المشهد بأنه «أسوأ مما كان يتوقعه كثيرون بالنسبة لحزب العمال»، في إشارة إلى حجم الانهيار في بعض الدوائر.
الانتخابات شملت 136 مجلسا محليا في إنجلترا، إلى جانب انتخابات البرلمانين المحليين في اسكتلندا وويلز، وتعتبر أهم اختبار للرأي العام قبل الانتخابات العامة المقبلة المقررة في عام 2029.
وتعرض حزب العمال لهزائم رمزية مؤلمة. ففي مدينة تامسايد الكبرى قرب مانشستر، خسر الحزب السيطرة على المجلس المحلي لأول مرة منذ نحو 50 عاما بعد فوز «ريفورم يو كيه» بكل المقاعد التي كان يدافع عنها العمال. كما خسر الحزب جميع المقاعد التي كان يحتفظ بها في مدينة ويغان العمالية التاريخية، وتراجع بشكل حاد في سالفورد.
وقالت النائبة العمالية ريبيكا لونغ-بيلي إن النتائج كانت «محطمة للروح»، في تعبير يعكس حجم الصدمة داخل الحزب.
في المقابل، أكد فاراج أن النتائج تمثل «تغييرا تاريخيا في السياسة البريطانية»، معتبرا أن النظام السياسي التقليدي القائم على التنافس بين العمال والمحافظين يدخل مرحلة تفكك تدريجي.
وتشير النتائج إلى استمرار تحول بريطانيا من نظام الحزبين التقليدي إلى مشهد متعدد القوى، حيث يخسر الحزبان الكبيران أصواتا لصالح أحزاب احتجاجية أو قومية أو بيئية. فإلى جانب «ريفورم يو كيه»، حقق حزب الخضر مكاسب إضافية، بينما يتوقع أن تعزز الأحزاب القومية مواقعها في اسكتلندا وويلز.
وتأتي هذه الضغوط في وقت يواجه فيه ستارمر انتقادات داخلية بسبب سلسلة من التراجعات السياسية وتبدل المستشارين والأزمات الحكومية. كما أثار تعيين بيتر ماندلسون سفيرا لبريطانيا في الولايات المتحدة جدلا إضافيا، بعد خروجه لاحقا من المنصب على خلفية قضايا مرتبطة بعلاقاته السابقة بالممول الأميركي الراحل جيفري إبستين.
رغم ذلك، سارع حلفاء ستارمر إلى الدفاع عنه. وقال وزير الدفاع جون هيلي إن آخر ما يحتاجه الناخبون هو «فوضى انتخابات قيادة جديدة»، مؤكدا أن رئيس الوزراء «ما زال قادرا على تصحيح المسار».
ويستفيد ستارمر حاليا من غياب منافس داخلي جاهز لإطلاق تحد مباشر على قيادته. فكل من عمدة مانشستر الكبرى آندي بورنهام ونائبة رئيس الوزراء السابقة أنجيلا راينر لا يبدوان مستعدين بعد لخوض معركة زعامة مفتوحة.
أهمية هذه النتائج لا تتعلق فقط بالخسائر المحلية، بل بما تكشفه عن المزاج السياسي البريطاني. فحزب العمال وصل إلى السلطة عام 2024 على وعد بإعادة الاستقرار بعد سنوات من الفوضى السياسية، لكنه يواجه الآن غضبا شعبيا متزايدا بسبب الاقتصاد، والطاقة، والهجرة، والضرائب، وشعور متنام بأن الحكومة فقدت وضوحها السياسي.
تحريريا، لا تعني هذه الانتخابات سقوط حكومة ستارمر فورا، لكنها تكسر صورة «الزعيم المستقر» التي أوصلته إلى داونينغ ستريت. والأخطر بالنسبة لحزب العمال أن الخسائر لا تذهب فقط إلى المحافظين، بل إلى قوى احتجاجية وشعبوية تعيد رسم الخريطة السياسية البريطانية. وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد تجد بريطانيا نفسها أمام نهاية فعلية لعصر الحزبين الذي حكم سياستها لعقود.






