بغداد — (رياليست عربي). نفذت قوات عراقية حملة مداهمات واسعة داخل المنطقة الخضراء المحصنة في بغداد، في واحدة من أكبر عمليات مكافحة الفساد التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، لكنها أثارت في الوقت نفسه تساؤلات بشأن قدرة الحكومة على الوصول إلى كبار المسؤولين والشخصيات السياسية النافذة.

وبدأت العملية فجر 28 يونيو، عندما دخلت وحدات مكافحة الإرهاب مدعومة بآليات مدرعة إلى منطقة بغداد ريزيدنس القريبة من السفارة الأمريكية، بعد تحقيقات تتعلق بأموال يُشتبه في الحصول عليها عبر مخالفات في مشاريع حكومية وعقود رسمية.

وأعلنت السلطات اعتقال 47 شخصاً، بينهم سياسيون ونواب ومسؤولون كبار، فيما صادرت القوات ملايين الدولارات نقداً وسبائك ذهب وممتلكات ثمينة. وقال مسؤول في هيئة النزاهة الاتحادية إن السلطات استعادت، حتى 4 يوليو، أصولاً بقيمة 98 مليار دينار عراقي، إضافة إلى 11 مليون دولار نقداً، مشيراً إلى العثور على أموال مدفونة على عمق عدة أمتار.

وسرعان ما تحولت صور المداهمات إلى مادة رئيسية في الإعلام العراقي ومنصات التواصل، حيث رأى كثيرون في العملية مشهداً نادراً لقوة الدولة في مواجهة طبقة سياسية متهمة منذ سنوات بإثراء نفسها على حساب المال العام.

لكن الترحيب الشعبي لم يلغ الشكوك. ويقول عراقيون ومحللون إن مصداقية الحملة ستتوقف على ما إذا كانت ستصل إلى «الرؤوس الكبيرة» داخل منظومة المحاصصة السياسية وشبكات الفصائل المسلحة، أم ستبقى محصورة في مسؤولين من الصفين الثاني والثالث.

وتأتي الحملة قبل زيارة مرتقبة لرئيس الوزراء علي الزيدي إلى واشنطن، حيث تواجه بغداد ضغوطاً أمريكية للحد من نفوذ الفصائل المدعومة من إيران وإظهار قدرة الحكومة على ضبط مؤسسات الدولة. ويرى مراقبون أن توقيت العملية يمنحها بعداً خارجياً، إذ تسعى الحكومة إلى تقديم نفسها للولايات المتحدة وحلفائها بوصفها قادرة على مواجهة الفساد والنفوذ الموازي داخل الدولة.

وقال ريناد منصور، مدير مبادرة العراق في معهد تشاتام هاوس، إن الحملة نجحت في إنتاج مشهد قوي وكشف مبالغ كبيرة من الأموال والذهب، لكنها لم تقترب بعد من البنية العليا التي تغذي الفساد في النظام السياسي. واعتبر أن العملية قد تغير شكل شبكات الفساد أكثر مما تعالج جذورها.

ويرى محللون عراقيون أن استهداف مسؤولين متوسطين قد يكون خطوة تمهيدية لحملة أوسع، لكن فشل الحكومة في ملاحقة كبار المتورطين، بمن فيهم شخصيات مرتبطة بفصائل مسلحة أو أحزاب نافذة، سيجعل العملية أقرب إلى عرض سياسي محدود.

وتواجه حكومة الزيدي معادلة صعبة: فهي تحتاج إلى إظهار نتائج سريعة أمام الشارع، وطمأنة واشنطن قبل الزيارة المقبلة، وفي الوقت نفسه تجنب صدام مباشر مع شبكات سياسية وأمنية تملك نفوذاً واسعاً داخل مؤسسات الدولة.

وإذا لم تتحول المداهمات إلى مسار قضائي واضح ينتهي بمحاكمات وأحكام واستعادة منظمة للأموال العامة، فقد تبقى العملية، رغم ضخامتها، مجرد ضربة إعلامية في بلد ينظر فيه المواطنون إلى الفساد باعتباره أحد الأسباب الرئيسية لتدهور الخدمات والكهرباء والاقتصاد.