دبي/لندن (رياليست عربي). أدى التصعيد العسكري بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل إلى واحدة من أكبر الاضطرابات في حركة الطيران العالمية خلال السنوات الأخيرة، ما ترك أكثر من مليون مسافر عالقين وأجبر شركات الطيران على إلغاء أو تغيير مسارات عشرات الآلاف من الرحلات.
ومن بين المتضررين زوي غونغ، وهي معالجة صينية في مجال التغذية الطبية تبلغ 30 عامًا، كانت تخطط للسفر من باريس إلى شنغهاي عبر دبي على متن رحلة تابعة لطيران الإمارات. وبعد اندلاع الأعمال القتالية انهارت خطتها بالكامل، واضطرت لدفع 1,600 دولار لحجز مسار بديل، أي أكثر من ضعف سعر تذكرتها الأصلية.
ويقول محللون في قطاع الطيران إن ملايين المسافرين تأثروا هذا العام بالنزاعات حول العالم، ما يبرز هشاشة قطاع السياحة العالمي الذي تُقدر قيمته بنحو 11.7 تريليون دولار، وفق المجلس العالمي للسفر والسياحة.
وأدت الضربات الأمريكية–الإسرائيلية على إيران إلى سلسلة من الاضطرابات في الطيران عبر الشرق الأوسط. وتشير بيانات شركة التحليلات الجوية “سيريوم” إلى أن إغلاق المجالات الجوية أدى إلى تعطيل أكثر من 20 ألف رحلة منذ نهاية الأسبوع. كما تأثرت مراكز العبور الرئيسية في الخليج بشدة مع سعي شركات الطيران إلى تحويل مسارات الطائرات بعيدًا عن مناطق الصراع.
وأطلقت إيران منذ ذلك الحين ضربات انتقامية استهدفت عدة دول، بينها الإمارات وقطر والأردن وإسرائيل وقبرص. وقد عقدت هذه الهجمات عمليات الإجلاء وقلصت خيارات شركات الطيران لإعادة الركاب إلى بلدانهم.
ودعت الولايات المتحدة مواطنيها في بعض دول المنطقة إلى المغادرة فورًا، رغم محدودية الرحلات التجارية المتاحة. وقالت وزارة الخارجية الأمريكية إنها تنظم رحلات مستأجرة لمساعدة الأمريكيين على مغادرة السعودية وإسرائيل والإمارات وقطر.
ووصف خبراء في قطاع السفر الوضع بأنه أزمة طيران كبيرة. وقال هنري هارتفيلدت، مؤسس شركة Atmosphere Research Group والمدير التنفيذي السابق في قطاع الطيران: «لقد تحولت هذه الأزمة إلى مستنقع طيران».
وامتدت تداعيات الصراع إلى قطاعات أخرى من صناعة السياحة. فقد سقطت شظايا من صواريخ وطائرات مسيّرة تم اعتراضها قرب فنادق في دبي، من بينها قرب منتجع فيرمونت ذا بالم، حيث أصيب أربعة أشخاص، دون أن يكون بينهم نزلاء أو موظفون. كما اندلع حريق هذا الأسبوع في فندق برج العرب بعد سقوط حطام طائرة مسيّرة إيرانية تم اعتراضها.
كما تأثرت شركات الرحلات البحرية. فعدد من السفن التي تقل آلاف الركاب ما زالت راسية في موانئ الخليج بسبب المخاوف الأمنية ومحدودية الرحلات الجوية لعودة المسافرين. ومن بينها السفينة “إيوريبيا” التابعة لشركة MSC Cruises، التي تحمل أكثر من 6,300 راكب، ولم تتمكن من مغادرة دبي بينما تعمل الشركة على تنظيم رحلات مستأجرة لإعادة الركاب إلى بلدانهم.
ويأتي الصراع الإيراني كأحدث صدمة لصناعة السفر العالمية في عام 2026. ففي وقت سابق من هذا العام أدى تحرك عسكري أمريكي في فنزويلا إلى إغلاق المجال الجوي في منطقة الكاريبي، ما ترك مسافرين عالقين في عدة دول. كما أدت أعمال عنف مرتبطة بعصابات المخدرات في المكسيك في فبراير إلى إلغاء رحلات إلى وجهات سياحية رئيسية مثل بويرتو فالارتا وغوادالاخارا.
وأجبرت هذه الأزمات شركات الطيران والسفن السياحية والفنادق على إجراء تعديلات مكلفة، تشمل تحويل مسارات الرحلات وإلغاء الحجوزات وإعادة الأموال وخفض أسعار الإقامة.
ويقول مسؤولون في القطاع إن ارتفاع تكاليف التشغيل، خصوصًا الوقود، قد ينعكس في نهاية المطاف على المسافرين من خلال زيادة أسعار التذاكر.
وكان قطاع السياحة قد دخل عام 2026 بتفاؤل نسبي، حيث توقعت شركات طيران كبرى مثل “دلتا إيرلاينز” و“يونايتد إيرلاينز” تحقيق إيرادات قياسية.
لكن سلسلة الأزمات الجيوسياسية الأخيرة باتت تهدد الطلب، خصوصًا في قطاع السفر الفاخر الذي أصبح مصدرًا مهمًا لإيرادات شركات الطيران والفنادق.
وفي المكسيك، حيث يشكل قطاع السياحة نحو 9% من الاقتصاد الوطني، بدأت بعض الفنادق بالفعل تسجيل تراجع في الحجوزات بعد موجة العنف الأخيرة. ففي فندق «ريفيرا ديل ريو» في بويرتو فالارتا انخفضت الحجوزات بنحو 10% مقارنة بالعام الماضي، ما دفع الإدارة إلى تقديم خصومات تصل إلى 20% قبل موسم عطلة الربيع.
ويرى مراقبون أن سوق السفر العالمية ما تزال تتمتع بقدر من المرونة، لكنهم يحذرون من أن استمرار الاضطرابات الجيوسياسية قد يطيل أمد حالة عدم اليقين لشركات الطيران والفنادق والاقتصادات المعتمدة على السياحة حول العالم.






