موسكو (رياليست عربي). يعكس الاقتصاد الروسي في عام 2025 واقعًا مزدوجًا: صمودًا في المؤشرات الرئيسية يقابله ضغط هيكلي متزايد. فبعد صدمة العقوبات الغربية التي فُرضت عقب غزو أوكرانيا في 2022، سجّل الاقتصاد نموًا أقوى من المتوقع في 2023 و2024، إذ توسع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.1% في كلا العامين. غير أن هذا الأداء ارتبط أساسًا بزيادة كبيرة في الإنفاق الحكومي، لا سيما في القطاع الدفاعي، أكثر من كونه نتيجة ديناميكية سوقية واسعة.
وتزامن التوسع مع زيادة ملحوظة في السيولة المحلية، إذ أعادت الأسر والمستثمرون الروس جزءًا من رؤوس الأموال المحتفظ بها في الخارج، ما عزز الودائع في البنوك المحلية. ومع نمو سريع في الائتمان وارتفاع المعروض النقدي، دعمت هذه التدفقات الاستهلاك والاستثمار قصير الأجل. وبحلول مطلع 2025، كان عرض النقد الواسع (M2) قد تضاعف تقريبًا مقارنة بنهاية 2021.
إلا أن نموذج النمو كان شديد التركّز. فقد ضخّت مشتريات الدفاع والأجور العسكرية والتحويلات الحكومية دخلاً في مناطق وقطاعات محددة، بينما واجهت الشركات الصغيرة والمتوسطة صعوبات بفعل العقوبات واضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الاقتراض. وارتفع التضخم إلى نحو 10% في 2024، ما دفع البنك المركزي إلى رفع سعر الفائدة الأساسي إلى 21%. ورغم خفضه لاحقًا في 2025، ظل عند مستويات مرتفعة حدّت من توسع الاستثمار الخاص والائتمان.
ومع دخول 2025، بدأ أثر التحفيز المرتبط بالحرب يتراجع. وتباطأ نمو الناتج المحلي الإجمالي بوضوح خلال العام، مع مراجعة التوقعات الرسمية إلى الأسفل. وأعلن الرئيس فلاديمير بوتين في مطلع 2026 أن نمو عام 2025 بلغ نحو 1%، ما يعكس تباطؤًا حادًا مقارنة بالعامين السابقين.
خارجيًا، واصلت روسيا تحويل بوصلتها التجارية نحو آسيا. وأصبحت الصين الشريك التجاري الأكبر، مستحوذة على نحو ثلث الصادرات والواردات، بينما تراجع حجم التجارة مع الاتحاد الأوروبي بشكل حاد مقارنة بمستويات ما قبل الحرب. غير أن المشترين الآسيويين يشترون الطاقة والسلع الروسية غالبًا بخصومات سعرية، ما قلّص عائدات التصدير رغم استقرار الكميات. وتقلص فائض الحساب الجاري بشكل ملحوظ مقارنة بعام 2024.
كما تصاعدت الضغوط المالية. إذ يشكل الإنفاق الدفاعي والأمني حصة كبيرة من النفقات الفيدرالية، مع بلوغ مخصصات الدفاع نحو 6% من الناتج المحلي الإجمالي. ولتعويض تراجع إيرادات الطاقة، رفعت الحكومة الضرائب على الشركات وزادت ضريبة القيمة المضافة وسحبت من الاحتياطيات السيادية. ورغم بقاء الدين العام عند مستويات منخفضة نسبيًا، فإن الاعتماد المستمر على عائدات السلع الأولية والإنفاق العسكري المرتفع يقيّد المرونة المالية على المدى الطويل.
ويصف محللون التوقعات بأنها أقرب إلى «ركود مُدار». فمع استبعاد حدوث انهيار حاد في غياب صدمة خارجية كبيرة، يُتوقع أن يظل النمو في نطاق 1–2% خلال السنوات المقبلة. كما أن الضغوط الديموغرافية ونقص العمالة وتراجع الإنتاجية في القطاعات غير العسكرية تحدّ من إمكانات التوسع.
وقد أظهر الاقتصاد الروسي قدرة على التكيف تحت وطأة العقوبات والعزلة الجيوسياسية. لكن مع تلاشي المحركات المؤقتة المرتبطة بانتعاش زمن الحرب، سيظل الحفاظ على النمو دون إصلاحات هيكلية أو تغيير في أولويات الإنفاق تحديًا كبيرًا في المرحلة المقبلة.






