روما – (رياليست عربي). بينما يعاني الاقتصاد العالمي من اضطرابات مالية متكررة، تجني إيطاليا بهدوء ثمار تمسّكها التاريخي بالذهب، الذي تحول اليوم إلى ركيزة استراتيجية للاقتصاد الإيطالي.
وبحسب حسابات رويترز، تبلغ احتياطيات بنك إيطاليا 2,452 طنّاً من الذهب، تُقدّر قيمتها بحوالي 300 مليار دولار — أي ما يعادل نحو 13٪ من الناتج المحلي الإجمالي. وبهذا تحتل إيطاليا المركز الثالث عالمياً بعد الولايات المتحدة وألمانيا، ما يعكس عقيدة مالية ترسّخت بعد الحرب العالمية الثانية.
إرث من الصمود المالي
تعود جذور هذا النهج إلى أربعينيات القرن الماضي، عندما استولت قوات النازي بدعم من نظام موسوليني على 120 طناً من الذهب الإيطالي، ولم يتبقَّ بنهاية الحرب سوى 20 طناً فقط. ومع انتعاش الاقتصاد في الخمسينيات، أعادت روما بناء احتياطياتها من خلال تحويل الفوائض الدولارية إلى ذهب، واستعادت ثلاثة أرباع خسائرها بحلول عام 1958.
وفي السبعينيات، استخدمت إيطاليا 41,300 سبيكة ذهبية كضمان لقرض من بنك ألمانيا الاتحادي بقيمة ملياري دولار، لكنها — على عكس بريطانيا أو إسبانيا — لم تفرّط أبداً في بيع ذهبها. واليوم يشكّل الذهب نحو 75٪ من احتياطياتها الرسمية، مقارنة بمتوسط منطقة اليورو البالغ 66.5٪، وفق مجلس الذهب العالمي.
«الذهب يشبه أدوات الفضة العائلية — الملاذ الأخير في أي أزمة تهز الثقة الدولية»، كتب سلفاتوري روسي، نائب محافظ بنك إيطاليا السابق، في كتابه الذهب (2018).
ذهب في قلب روما… وجزء منه في نيويورك
يُخزَّن نحو 1,100 طن من الذهب في أقبية قصر كوك (Palazzo Koch)، مقر البنك المركزي في روما، بينما تُحتفظ بكميات مماثلة في نيويورك، وأخرى أصغر في لندن وسويسرا. كما يحتفظ البنك بـ 870 ألف قطعة نقدية ذهبية تزن نحو أربعة أطنان في خزانة تُعرف باسم «القدس الصغيرة» — في إشارة إلى مكانتها شبه المقدسة داخل النظام المالي الإيطالي.
وقال ستيفانو كاسيلي، عميد كلية إدارة الأعمال في جامعة بوكوني بميلانو:
«قرار بنك إيطاليا التاريخي بعدم بيع الذهب يبدو حديثاً للغاية اليوم، لأننا عدنا إلى عالم أصبح فيه الذهب مجدداً رمز الأمان المطلق».
جدل سياسي حول البيع… ورفض قاطع من البنك
ومع تجاوز الدين العام الإيطالي ثلاثة تريليونات يورو (3.5 تريليون دولار) — أي 137٪ من الناتج المحلي — عاد بعض السياسيين للمطالبة ببيع جزء من احتياطيات الذهب لتخفيف عبء الدين، لكن الاقتصاديين يشككون في جدوى الخطوة.
«حتى بيع نصف الذهب لن يحل مشكلة الدين الإيطالي، سيكون مجرد إجراء قصير الأمد بلا تأثير هيكلي»، قال جياكومو كيورينو، رئيس قسم تحليل الأسواق في Banca Patrimoni Sella & C.
وفي حين يرى البعض أن العائدات يمكن أن تُستخدم في الإنفاق الاجتماعي، لم يُبدِ بنك إيطاليا أي نية للبيع وامتنع مسؤولوه عن التعليق.
ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية وعودة التضخم وصعود العملات الرقمية، تتجه البنوك المركزية حول العالم مجدداً نحو الذهب كملاذ أخير.
«في عالم تعيد تشكيله الحروب والتكنولوجيا والنقود الجديدة، يحتفظ الذهب بمكانته كأصل ساخن»، قال كاسيلي، مضيفاً:
«إنهم على حق في عدم بيعه».






