واشنطن – (رياليست عربي). دخلت الولايات المتحدة العام الجديد بالكشف عمّا يصفه منتقدون بـ«عقيدة دونرو» — وهي إعادة صياغة من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب لـ«مبدأ مونرو» لعام 1823 — في ظل تصاعد الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية الأميركية على دول منتجة للطاقة عبر عدة أقاليم.
واكتسب المصطلح زخماً بعد الضربات الجوية الأميركية على فنزويلا واحتجاز الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته في 3 كانون الثاني/يناير. وبينما يؤكد المبدأ بصيغته الرسمية أولوية واشنطن في نصف الكرة الغربي، يرى محللون أن نطاقه العملي بات عالمياً، مستعيداً أنماطاً تدخلية طبعت السياسة الخارجية الأميركية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وخلال شهر واحد فقط، اتخذت واشنطن أو لوّحت بإجراءات عسكرية تمس دولاً منتجة للنفط في أميركا اللاتينية والشرق الأوسط وأفريقيا وحتى القطب الشمالي. ففي كانون الأول/ديسمبر وكانون الثاني/يناير، نفذت القوات الأميركية ضربات في سوريا، حيث لا يزال أكثر من 2,000 جندي أميركي منتشرون في مناطق منتجة للنفط، وقال البنتاغون إن الضربات استهدفت عناصر «داعش» عقب مقتل جنديين أميركيين ومترجم.
وفي أفريقيا، أمر ترامب بضربات جوية في نيجيريا بعد تحذيرات متكررة من عمليات قتل جماعية لمسيحيين على يد جماعات جهادية، مقدّماً الهجمات باعتبارها إجراءات «حماية»، ولوّح بمزيد من التصعيد. وفي آسيا، شجعت الإدارة الأميركية علناً احتجاجات مناهضة للحكومة في إيران، حيث دعا ترامب المتظاهرين إلى «الاستمرار» قائلاً إن «المساعدة في الطريق» مع تفاقم الاضطرابات وسط أزمة اقتصادية حادة.
وتفيد السلطات الإيرانية بسقوط مئات القتلى، بينما تذهب تقديرات أخرى إلى أعداد أكبر تشمل متظاهرين وأفراد أمن. كما أكد مسؤولون إسرائيليون وجود عناصر استخباراتية داخل إيران، في حين ألمح وزير الخارجية الأميركي الأسبق مايك بومبيو إلى تعاون بين محتجين إيرانيين والاستخبارات الإسرائيلية — وهي مزاعم تقول طهران إنها دليل على تدخل خارجي.
ويوم الثلاثاء، صعّد ترامب الضغط بإلغاء محادثات، وفرض رسوم جمركية بنسبة 25% على الدول المتعاملة مع إيران، ملوّحاً بخيارات عسكرية «قوية جداً» على خلفية تعامل الحكومة مع الاحتجاجات. وربط البيت الأبيض هذه الإجراءات بمخاوف حقوقية، بينما يرى منتقدون أنها تعكس أهدافاً أوسع تتصل بأمن الطاقة.
ويبرز النفط كخيط ناظم لتحركات الإدارة. ففنزويلا، صاحبة أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، كانت في صدارة الاستهداف، إذ قال ترامب إن الولايات المتحدة ستتولى «إدارة» البلاد بعد احتجاز مادورو. كما طُرحت علناً خيارات استخدام القوة بشأن غرينلاند، الإقليم الدنماركي شبه المستقل والغني بموارد غير مستغلة، وقدّم مشرّع جمهوري مشروع قانون يدعم ضمها بدعوى الأمن القومي.
ويرى محللو الطاقة أن الاستراتيجية الأميركية تهدف إلى الحفاظ على النفوذ في تسعير النفط، وترسيخ هيمنة الدولار في تجارة الطاقة، وتقييد خصوم — لا سيما الصين — عبر تشكيل الوصول إلى الإمدادات العالمية.
وتستدعي المقاربة سوابق من حقبة الحرب الباردة؛ إذ دعمت واشنطن بعد الحرب العالمية الثانية انقلابات مرتبطة بمصالح طاقوية، من بينها إسقاط الحكومة المنتخبة في سوريا عام 1949 بعد رفضها تمرير خط أنابيب، والانقلاب المدعوم أميركياً وبريطانياً في إيران عام 1953 ضد حكومة محمد مصدق عقب تأميم النفط.
وترى انتقادات أن تدخلات أحدث — من ليبيا 2011 إلى سوريا وفنزويلا والضغط المتجدد على إيران — تقع ضمن النمط نفسه، وإن تغيّرت الذرائع بين مكافحة الإرهاب والترويج للديمقراطية ومكافحة المخدرات وحقوق الإنسان.
وترفض الإدارة الأميركية اتهامات «التمدد الإمبراطوري»، مؤكدة أن إجراءاتها ضرورية لحماية الحلفاء وتأمين أسواق الطاقة ودعم الاستقرار الدولي. لكن مع تصاعد التوتر في أكثر من ساحة، يتوقع مراقبون أن تتضح حدود وتأثيرات «عقيدة دونرو» عملياً في الأسابيع المقبلة.






