بروكسل — (رياليست عربي). تعرّض الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روتّه لانتقادات واسعة بعد أن استبعد علناً قدرة أوروبا على الدفاع عن نفسها من دون الولايات المتحدة، معتبراً أن أي طموح من هذا النوع «مجرد أحلام يقظة».
وخاطب روتّه أعضاء البرلمان الأوروبي يوم الاثنين قائلاً: «إذا كان هناك من يعتقد أن الاتحاد الأوروبي، أو أوروبا ككل، يستطيعان الدفاع عن نفسيهما من دون الولايات المتحدة — فليواصل الحلم. هذا غير ممكن. نحن لا نستطيع. نحن بحاجة إلى بعضنا البعض». وجاءت تصريحاته بعد أسابيع من توتر عابر للأطلسي، أثاره سعي الرئيس الأميركي دونالد ترامب للضغط على الدنمارك بشأن غرينلاند، وهو خلاف كاد يدفع التحالف، الممتد منذ قرابة ثمانية عقود، إلى أزمة قبل أن يسهم روتّه في التوصل إلى تفاهم حول أمن القطب الشمالي.
وقال روتّه إن استبدال الضمانات الأمنية الأميركية سيتطلب من الدول الأوروبية إنفاق ما يصل إلى 10% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع — أي ضعف الهدف الحالي للناتو — إضافة إلى تطوير ردع نووي أوروبي مستقل. وأضاف: «ستفقدون الضامن النهائي لحريتنا، وهو المظلة النووية الأميركية… لذا، حظاً سعيداً».
وسرعان ما انتشرت التصريحات على وسائل التواصل الاجتماعي، لتعيد إشعال نقاش قديم حول اعتماد أوروبا على واشنطن. ورغم أن المفوضية الأوروبية تجنبت توجيه انتقاد مباشر لروتّه، شددت المتحدثة باسمها باولا بينيو على أن بروكسل تركز على تعزيز الصمود وتقليص التبعيات الاستراتيجية، بما في ذلك في مجالي الدفاع والأمن. وأشارت إلى التقدم المحرز في تقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري الروسي، مؤكدة أن جهوداً مماثلة جارية في قطاع الدفاع والمواد الخام الحيوية.
واستشهدت بينيو بخطاب حديث لرئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين دعت فيه إلى قدر أكبر من الاستقلالية الأوروبية في ظل تصاعد عدم الاستقرار الجيوسياسي، وكشفت عن استراتيجية أمنية مرتقبة مع تركيز قوي على القطب الشمالي.
أما أشد الردود فصدرت من فرنسا، التي تُعد من أبرز المدافعين عن «الاستقلالية الاستراتيجية» الأوروبية. فقد رفض وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو طرح روتّه بشكل قاطع، وكتب على منصة «إكس»: «الأوروبيون قادرون، ويجب عليهم، تولي مسؤولية أمنهم بأنفسهم»، مضيفاً أن الولايات المتحدة نفسها تدعم ركناً أوروبياً أقوى داخل الناتو.
من جهته، قال وزير الدولة الفرنسي للشؤون الأوروبية بنجامين حدّاد إن أوروبا «لا تملك بديلاً» عن تسريع التكامل الدفاعي، مذكّراً بأن الدول الأوروبية — وليس الولايات المتحدة — هي أكبر المانحين لأوكرانيا. وأضاف: «نرى تهديدات تصدر حتى من حلفاء أميركيين ضد سيادة الدنمارك»، معتبراً أن الأوروبيين يمتلكون بالفعل الأدوات اللازمة للدفاع عن أنفسهم.
وامتد الانتقاد إلى البرلمان الأوروبي. فقد وصفت النائبة الفرنسية ناتالي لوازو تصريحات روتّه بأنها «لحظة مخزية»، متهمةً إياه بمحاولة استرضاء ترامب على حساب أوروبا. وقالت: «يحتاج الناتو إلى إعادة توازن بين الجهد الأميركي والجهد الأوروبي».
أما رئيس المجلس الأوروبي السابق شارل ميشيل، فاختار لهجة شخصية ساخرة، مذكّراً بأن روتّه كان قد وصف ترامب سابقاً بـ«الأب». وقال: «أوروبا ستدافع عن نفسها. ودونالد ترامب ليس أبي»، داعياً إلى «القيادة والرؤية» بدلاً من «الخضوع والتشاؤم».
وتسلّط هذه السجالات الضوء على اتساع الانقسام داخل أوروبا بشأن مدى وسرعة انتقال الاتحاد الأوروبي نحو قدر أكبر من الاستقلال الدفاعي، وكيفية التعبير عن هذا الطموح علناً في وقت لا تزال فيه الولايات المتحدة القوة العسكرية المهيمنة داخل حلف الناتو.






