بروكسل — (رياليست عربي). يستعد الأمين العام لحلف شمال الأطلسي «الناتو» مارك روته لعقد اجتماع موسع الأسبوع المقبل مع كبار مسؤولي شركات الصناعات الدفاعية الأوروبية في بروكسل، في محاولة لدفع القطاع العسكري الأوروبي إلى زيادة الاستثمارات وتسريع وتيرة الإنتاج العسكري، وسط تصاعد المخاوف داخل الحلف بشأن جاهزية أوروبا الدفاعية واعتمادها الكبير على الولايات المتحدة.
وبحسب صحيفة «فايننشال تايمز»، يسعى روته إلى تمهيد الطريق لإعلانات كبرى خلال قمة الناتو السنوية المقررة في أنقرة في يوليو 2026، عبر الضغط على الشركات لتقديم خطط واضحة لتوسيع الإنتاج، خصوصا في مجالات الدفاع الجوي والصواريخ بعيدة المدى.
وطلب من الشركات المشاركة تقديم معلومات مفصلة حول قدراتها الإنتاجية والاستثمارات الجديدة، إضافة إلى العقبات التي تواجهها في توسيع خطوط التصنيع.
ومن المتوقع أن يشارك في الاجتماع ممثلون عن شركات أوروبية كبرى مثل «راينميتال» الألمانية و«إيرباص» و«ساب» السويدية و«ليوناردو» الإيطالية و«إم بي دي إيه» الأوروبية و«سافران» الفرنسية.
ويعد جمع هذا العدد الكبير من شركات الدفاع الأوروبية في اجتماع واحد خطوة غير معتادة من جانب الأمين العام للناتو، ما يعكس حجم القلق داخل الحلف بشأن بطء إعادة التسلح الأوروبي.
ويأتي هذا التحرك في وقت يواصل فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب الضغط على الحلفاء الأوروبيين لرفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو الهدف الذي وافقت عليه دول الناتو خلال قمة لاهاي العام الماضي.
ويسعى الحلف إلى إظهار أن الزيادات المالية بدأت تتحول إلى مشاريع إنتاج عسكرية حقيقية، وليس مجرد تعهدات سياسية.
وقال أحد المسؤولين الأوروبيين للصحيفة: «المطلوب هو جعل زيادة الإنفاق الدفاعي تبدو واقعية وملموسة».
وتحاول أوروبا في الوقت نفسه تهدئة غضب البيت الأبيض بسبب ما تعتبره واشنطن «ترددا أوروبيا» في دعم الحملة العسكرية الأميركية ضد إيران.
كما تعكس الخطط الجديدة قلقا أوروبيا متزايدا من احتمال تراجع الالتزام الأميركي بأمن القارة، خاصة بعد إعلان البنتاغون في مايو 2026 سحب 5 آلاف جندي أميركي من ألمانيا، على خلفية الخلافات بين ترامب والمستشار الألماني فريدريش ميرتس بشأن الحرب على إيران.
وأدى الصراع الإقليمي أيضا إلى استنزاف مخزونات أميركية ضخمة من الذخائر والصواريخ، ما دفع العواصم الأوروبية إلى إعادة تقييم جاهزيتها العسكرية.
وفي هذا السياق، تسعى برلين إلى شراء صواريخ «توماهوك» الأميركية لتعزيز قدراتها الدفاعية في مواجهة روسيا، بعد أن ألغت واشنطن خططا لنشر معداتها الخاصة في أوروبا.
لكن في المقابل، تضغط الحكومات الأوروبية على شركاتها المحلية لتطوير بدائل أوروبية للصواريخ الأميركية وأنظمة الاستطلاع والمراقبة والأقمار الصناعية العسكرية.
ويقول مسؤولون في الناتو إن الحلف يريد إنشاء اتفاقات إطار طويلة الأمد في المجالات التي تعتمد فيها الجيوش الأوروبية بشكل كبير على الولايات المتحدة، خصوصا الدفاع الجوي والصواريخ بعيدة المدى وأنظمة الاستخبارات.
وتشير تقديرات الحلف إلى أن وصول الدول الأوروبية إلى مستوى إنفاق دفاعي يعادل 5% من الناتج المحلي بحلول 2035 سيعني زيادة سنوية تقارب $1 تريليون مقارنة بمستويات عام 2024.
ورغم هذا الزخم، لا تزال الخلافات قائمة بين الحكومات الأوروبية وشركات السلاح حول أسباب النقص في القدرات العسكرية.
فالشركات تتهم الحكومات بعدم توقيع عقود طويلة الأجل تضمن استقرار الاستثمارات، بينما ترى الحكومات أن الصناعة الدفاعية الأوروبية فشلت في رفع الإنتاج بالسرعة المطلوبة منذ اندلاع الأزمات الأخيرة.
كما يناقش الاجتماع المرتقب سبل تقليل الاعتماد الأوروبي على المكونات الصينية والتايوانية في الصناعات العسكرية، في ظل تصاعد المخاوف من اضطراب سلاسل التوريد العالمية.
ويرى مراقبون أن روته يتحرك فعليا كمنسق مباشر لمطالب ترامب داخل أوروبا، محاولا دفع الصناعة العسكرية الأوروبية إلى العمل بأقصى طاقتها بعد عقود من خفض الإنفاق الدفاعي.
ويشير ذلك إلى تحول استراتيجي كبير داخل الناتو، حيث لم تعد مسألة إعادة التسلح الأوروبية مجرد خيار سياسي، بل أصبحت أولوية أمنية ملحة في ظل الحرب في أوكرانيا والتوترات مع إيران وتصاعد المنافسة العالمية مع روسيا والصين.






