هافانا — (رياليست عربي). شهدت كوبا احتجاجات واسعة بعد إعلان الحكومة نفاد احتياطيات الديزل وزيت الوقود بالكامل، في أزمة طاقة غير مسبوقة تهدد بشلل قطاعات حيوية في البلاد.
وقال وزير الطاقة الكوبي فيسينتي دي لا أو ليفي إن البلاد «لا تملك أي احتياطي من زيت الوقود أو الديزل»، محملا الإدارة الأميركية بقيادة الرئيس دونالد ترامب مسؤولية تفاقم الأزمة بسبب تشديد العقوبات والقيود على واردات الطاقة إلى الجزيرة.
ووصف الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل الوضع بأنه «متوتر للغاية»، متهما الولايات المتحدة بالتسبب في «تدهور دراماتيكي» للأوضاع الاقتصادية والمعيشية، واصفا العقوبات الأميركية بأنها «حصار إبادي».
وتداول مستخدمون على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو لاحتجاجات ليلية في العاصمة هافانا، حيث خرج سكان إلى الشوارع وهم يقرعون الأواني المعدنية ويقيمون حواجز مشتعلة احتجاجا على انقطاع الكهرباء المستمر.
كما تحدثت تقارير عن مواجهات مع الشرطة واعتقالات لمتظاهرين، بينما تعاني أحياء في هافانا ومناطق أخرى من انقطاع الكهرباء لمدة تصل إلى 20 أو 22 ساعة يوميا.
وتعود جذور الأزمة إلى التراجع الحاد في إمدادات النفط الفنزويلي، التي كانت تشكل لعقود العمود الفقري لقطاع الطاقة الكوبي. ومع تدهور الاقتصاد الفنزويلي وتشديد العقوبات الأميركية على كاراكاس، انخفضت الشحنات تدريجيا قبل أن تتوقف فعليا مطلع عام 2026.
وزادت الأزمة تعقيدا بعد إجراءات أميركية جديدة شملت فرض قيود على ناقلات النفط المتجهة إلى كوبا، والتهديد بعقوبات ثانوية ضد موردي الوقود، إضافة إلى تضييق الخناق على خدمات التمويل والتأمين البحري الخاصة بالشحنات النفطية.
وكانت المكسيك قد أرسلت شحنة نفط واحدة إلى كوبا في يناير الماضي قبل أن توقف صادراتها تحت ضغط واشنطن، بينما شكلت شحنة روسية وصلت في مارس — بحمولة 700 ألف برميل — متنفسا مؤقتا فقط لشبكة الكهرباء الكوبية.
وتنتج كوبا نحو 40% فقط من احتياجاتها النفطية، ما يجعلها تعتمد بشكل شبه كامل على الواردات.
وفي محاولة للتعامل مع الأزمة، رفعت الحكومة القيود السعرية على الوقود المتوافر في بعض المحطات، كما سمحت سابقا بالاستيراد الخاص للوقود. لكن الأسعار في السوق السوداء ارتفعت بشكل حاد، حيث تجاوز سعر لتر البنزين أحيانا $8 مقارنة بالسعر الرسمي البالغ نحو $1.30.
وأدت الأزمة إلى اضطرابات واسعة في النقل العام والزراعة وخدمات الموانئ والنظافة العامة، بينما تأثرت المستشفيات ونشاط السياحة، وهو أحد أهم مصادر العملة الصعبة للبلاد.
كما اضطرت بعض المستشفيات إلى تأجيل العمليات غير الطارئة وتقنين استهلاك الكهرباء، في وقت تتزايد فيه تقارير عن انقطاع المياه وتراكم النفايات في المدن.
وفي الجانب السياسي، تواصل واشنطن الضغط على هافانا للموافقة على إصلاحات اقتصادية وسياسية والإفراج عن سجناء سياسيين، بينما تؤكد الحكومة الكوبية أن نظامها السياسي «غير قابل للتفاوض».
وأعلنت وزارة الخارجية الأميركية مؤخرا عرض مساعدات إنسانية بقيمة $100 مليون لكوبا، إلا أن الحكومة الكوبية رفضت قبولها.
أهمية هذه الأزمة تكمن في أنها تمثل أخطر اختبار اقتصادي واجتماعي تواجهه كوبا منذ سنوات، وسط تراجع الحلفاء التقليديين واستمرار الضغوط الأميركية.
تحريريا، تكشف أزمة الوقود في كوبا هشاشة النموذج الاقتصادي المعتمد على الدعم الخارجي والطاقة المستوردة، لكنها تعكس أيضا تحولا أوسع في موازين النفوذ بأميركا اللاتينية. وبينما تراهن واشنطن على الضغط الاقتصادي لدفع هافانا نحو تنازلات سياسية، يبدو أن القيادة الكوبية ما زالت تراهن على الصمود حتى في ظل الانهيار التدريجي للبنية الخدمية والمعيشية داخل البلاد.






